منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
تسجيلك في هذا المنتدى يأخذ منك لحظات ولكنه يعطيك امتيازات خاصة كالنسخ والتحميل والتعليق
وإضافة موضوع جديد والتخاطب مع الأعضاء ومناقشتهم
فإن لم تكن مسجلا من قبل فيرجى التسجيل، وإن كنت قد سجّلت فتفضّل
بإدخال اسم العضوية

يمكنك الدخول باستخدام حسابك في الفيس بوك



ستحتاج إلى تفعيل حسابك من بريدك الإلكتروني بعد تسجيلك هنا
التسجيل بالأسماء الحقيقية ثنائية أو ثلاثية وباللغة العربيّة فقط

منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة

تهتم بـ الثقافة والإبداع والفكر والنقد واللغة والفلسفة
 
بحـثالرئيسيةالتسجيلدخول
تعلن إدارة المنتديات عن تعيين الأستاذ بلال موقاي نائباً للمدير .... نبارك له هذه الترقية ونرجو من الله أن يوفقه ويعينه على أعبائه الجديدة وهو أهل لها إن شاء الله تعالى
للاطلاع على فهرس الموقع اضغط على منتديات تخاطب ثم انزل أسفله
» تحميل كتاب علم اللغة العام - فرديناند دي سوسيرالسبت 26 مايو 2018 - 10:24 من طرف عماد صادق» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (4)الجمعة 18 مايو 2018 - 21:05 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (5)الجمعة 18 مايو 2018 - 21:04 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» لغة الأمجادالإثنين 30 أبريل 2018 - 4:25 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (3)الأحد 29 أبريل 2018 - 14:01 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (2)الجمعة 27 أبريل 2018 - 15:29 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (1)الخميس 26 أبريل 2018 - 15:49 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» لسانيات النص وتحليل الخطاب .. المجلد الأول ..الأحد 22 أبريل 2018 - 18:57 من طرف جلال» Introduction The intellectual heritage of Arab thinker Dr. Ismat Seif الأحد 22 أبريل 2018 - 17:12 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» Introduction to philosophyالخميس 5 أبريل 2018 - 0:28 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» ضعف السمعالأحد 25 مارس 2018 - 18:53 من طرف عمر عصام» ضعف السمع للاطفالالأحد 25 مارس 2018 - 18:52 من طرف عمر عصام» منظومة الخليل في العروضالأحد 25 مارس 2018 - 16:52 من طرف خشان خشان» دراسات حديثة في العروض العربيالأحد 25 مارس 2018 - 16:06 من طرف خشان خشان» ضعف السمع وعدم الاتزانالإثنين 19 مارس 2018 - 17:22 من طرف عمر ماستر

شاطر | 
 

 مفهوم التبليغ وبعض تجلياته التربوية في التراث اللساني العربي ـــ د.بشير إبرير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحلام لسانية
مشرف عام
مشرف عام
avatar

القيمة الأصلية

البلد :
السعودية

عدد المساهمات :
1314

نقاط :
1860

تاريخ التسجيل :
24/05/2010

المهنة :
أستاذة


مُساهمةموضوع: مفهوم التبليغ وبعض تجلياته التربوية في التراث اللساني العربي ـــ د.بشير إبرير   الإثنين 31 أكتوبر 2011 - 1:28

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 90 - السنة الثالثة والعشرون - حزيران "يونيو" 2003 - ربيع الآخر 1424
ملخص:‏

تهدفهذه الدراسة إلى البحث عن جذور النظرية التبليغية في التراث اللساني العربي، من خلال محاولة استنطاق نصوص بعض أعلامه المشهورين بدءاً من القرن الثاني للهجرة وانتهاءً بالقرن الثامن للهجرة، وذلك من أجل الدعوة إلى إعادة قراءة التراث اللغوي العربي قراءة جديدة في ضوء النظريات اللغوية الحديثة ومناهج البحث المعاصرة بغية التعريف بعطاءات الثقافة العربية الإسلامية عند أبنائها أولاً والعمل على نقلها للآخر ثانياً. ففيها أصالتنا وتميزنا الذي على أساسه نخاطب الآخر ونحاوره.‏



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أحلام لسانية
مشرف عام
مشرف عام
avatar

القيمة الأصلية

البلد :
السعودية

عدد المساهمات :
1314

نقاط :
1860

تاريخ التسجيل :
24/05/2010

المهنة :
أستاذة


مُساهمةموضوع: رد: مفهوم التبليغ وبعض تجلياته التربوية في التراث اللساني العربي ـــ د.بشير إبرير   الإثنين 31 أكتوبر 2011 - 1:36

مقدمة:‏
اخترت ـ في هذا الموضوع ـ أن أتتبع ظاهرة التبليغ كما تصورها العلماء العرب القدماء بمحاولة تحليل أفكارهم واستنطاق نصوصهم بغية تقديم عطاءات الثقافة العربية الإسلامية إلى الفكر الإنساني؛ ذلك أن الفكر العربي القديم يحمل وعياً تنظيرياً على درجة كبيرة من الأهمية والعمق، أفاد الدرس اللغوي إفادة جليلة؛ فقد تعامل العلماء العرب القدماء مع الظاهرة اللغوية تعاملاً شاملاً، فكانت دراستهم الملتقى الذي يجتمع فيه مختلف المعارف وسائر العلماء من فلاسفة ومناطقة وعلماء نفس واجتماع، عرفوا أسرار التبليغ معرفة عميقة جِدّاً واصطلحوا على المتكلم والمخاطب والخطاب والتخاطب وحال الخطاب ومقتضى الحال والمقام والوضع والمواضعة، والحديث والمحدث عنه والمحدث به... وغير ذلك من المصطلحات المتعلقة بظواهر التبليغ.‏
إن النظام اللغوي وجد لكي يفيد ويبلغ أغراض المتكلم ومقاصده للمخاطب، فهو وسيلة تبليغ جوهره الإفادة، وكان العلماء العرب القدماء على وعي بهذا؛ فقد بنوا النحو على مبدأ التخفيف والفرق، وهو مبدأ الاقتصاد اللغوي الذي عرفه اللغويون المعاصرون، أي أن الهدف الذي يوده المتكلم هو أن يبلغ أكبر عدد ممكن من الفوائد في وقت قصير وبمجهود قليل(1).‏
فهناك مبدآن أساسيان يبنى عليهما الاستعمال اللغوي هما:‏
ـ الاقتصاد: الذي يحتاج إليه المتكلم من حيث المجهود العضلي والذاكري عند إحداثه للخطاب في حالة الاستئناس.‏
ـ والبيان: الذي يحتاج إليه المخاطب، ويؤثر هذان المبدآن في بنية اللغة بحسب مقتضيات أحوال الاستعمال(2).‏
ولما تشعبت ظاهرة التبليغ في التراث اللساني العربي، وكان المقام لا يسمح لنا بالتوسع فيها كثيراً(3)، فإننا سنقتصر على اختيار عينة من الأعلام المشهورين فقط.‏

ـ 1 ـ‏

يمكننا أن نبحث عن ظاهرة التبليغ بدءاً بالحديث عن سيبويه (ت سنة 180هـ)، من خلال تصوره للجملة على الرغم من أن هذه التسمية نفسها لم ترد في الكتاب(4)، وكذلك عبارة "جملة مفيدة" لا أثر لها في الكتاب، وبعد سيبويه، إلا عند المبرد في كتابه "المقتضب"؛ فقد رجح الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح أن شيخه المازني قد استعملها هو أيضاً، وقد يكون الأخفش الأوسط [سعيد بن مسعدة"> تلميذ سيبويه وأستاذ المازني هو الذي استعمل عبارة "جملة مفيدة"؛ لأنه أول من استعمل كلمة "فائدة" بمعنى العلم المستفاد من الكلام(5)، وهي تعني حصول الفائدة بما يضمن التفاهم المتبادل بين المتخاطبين.‏
وإذا كان سيبويه لم يستعمل عبارة "جملة مفيدة" فإنه استعمل مكانها لفظة "كلام" كوحدة إعلامية تبليغية بين متكلم ومخاطب؛ فالكلام المستغني عنه السكوت هو الذي يحقق الفائدة وبه يحصل المعنى.‏
وقد ميز العلماء العرب القدماء بين المعنى والفائدة فقالوا: لابد لكل كلام من معنى، يدل عليه، ولكنه وإن كان ينبغي أن يفيد في الأصل فقد يكون غير مفيد أي غير حامل لفائدة / لخبر يجهله السامع، وذلك مثل "النار محرقة"، مثال مشهور في النحو العربي، فإن قيل هذا لمن اختبر خاصية النار المحرقة، فإن هذا الكلام وإن كان ذا معنى، إلا أنه لا يأتي بشيء جديد بالنسبة إلى المخاطب، ولهذا أهمية عظيمة جداً، لأنه الأساس الذي بنيت عليه نظرية الإفادة الحديثة‏
théorie de l’information "(6).‏
نستشف من هذا القول، أن الإفادة تعني إفادة المخاطب بالأخبار والمعلومات الجديدة عليه؛ أي بما يجهله.‏
وإذا كان سيبويه ألح على هذه الوظيفة؛ فقد التبس الأمر على الذين جاؤوا بعده فخلطوا بين الوظيفة الإعلامية والدلالة على المعنى(7). إن الجملة المفيدة ـ عند سيبويه ـ تعادل الكلام المستغني الذي يحسن السكوت عليه، فهو يشكل وحدة خطابية تؤدي وظيفة التبليغ، وبها تتم إفادة المخاطب: فـ"الكلام المستغني أو الجملة المفيدة، هو أقل ما يكون عليه الخطاب، إذا لم يحصل فيه حذف"(8)، وهي نظرة للغة من جانبها الوظيفي، تتمثل في الإعلام والمخاطبة؛ أي التبليغ المتبادل للأغراض بين المتخاطبين(9)، بل إن سيبويه عندما تحدث عن الحذف ربطه بعلم المخاطب، وجعل ـ بذلك ـ المتكلم يستند إلى بديهة المخاطب في فهم المحذوف وبالتالي تحصل الإفادة من الكلام.‏
يقول: "ومما يقوي ترك هذا لعلم المخاطب قوله عز وجل: (والحَافِظينَ فُروجَهم والحَافِظاتِ، والذَّاكِرينَ الله كثيراً والذاكِرَاتِ((10)، فلم يعمل الآخر فيما عمل فيه الأول استغناء عنه(11).‏
ويوضح سيبويه العوامل التي أدت الناطقين بالعربية إلى اتباع الحذف، وهي طلب الخفة على اللسان واتساع الكلام والاختصار رابطاً كل ذلك بعلم المخاطب ومتحدثاً عن الحذف بجميع أنواعه، مثل حذف الاسم سواء أكان مضافاً أو مضافاً إليه. وحذف المبتدأ والخبر والصفة والموصوف، وحذف الفعل سواء أكان للإغراء أم للتحذير أم للتعجب مراعياً ـ في ذلك ـ التخفيف على اللسان ووجود القرينة التي نجدها في علم المخاطب؛ فالخفة على اللسان تساعد على التبليغ بسهولة ويسر، وعلم المخاطب بهذه الخصائص يسهل عليه فهم الكلام الموجه من المتكلم، ثم إنه مرتبط بأحوال التخاطب مثل: حالات الإغراء والتحذير، والتعجب، وغيرها؛ أي إن الخطاب يحدث في مكان وزمان معينين كحدث إعلامي تبليغي بحسب ما تقتضيه أنشطة الحياة اليومية.‏
يتأسس الخطاب ـ عند سيبويه ـ على عنصرين اثنين متلازمين هما:‏
المسند والمسند إليه "وهما ما لا يغني واحد منهما عن الآخر ولا يجد المتكلم منه بداً"(12)، لأن ذلك لا يحقق الفائدة من الكلام، فلا يمكنه الخبر أو الكلام كخطاب هدفه التبليغ؛ إلا إذا تأسس ذلك على المبتدأ (المسند إليه)، ولا تتحقق الفائدة، إلا إذا وجد "المبني عليه"(13)، والمقصود بالمبني عليه ـ هنا ـ هو الخير، وسيبويه "لا يسميه كذلك دائماً، بل هو عنده المبني على المبتدأ، أما كلمة "خبر"، فقد يطلقها على هذا، وعلى الحال أيضاً، بل على كل ماهو مفيد "فيه علم المخاطب".."(14)‏

وهكذا فإن الخبر ينقسم إلى:‏

1 ـ خبر هو جزء من الجملة لا تتم الفائدة دونه.‏
2 ـ وخبر ليس بجزء من الجملة، ولكنه زيادة في خبر سابق له.‏
فالأول خبر المبتدأ مثل: زيد منطلق، والفعل مثل: خرج زيد، وكل منهما جزء من الجملة، وهو الأصل في الفائدة، والثاني هو الحال مثل: جاءني زيد راكباً، وذلك لأن الحال خبر في الحقيقة من حيث إنك تثبت بها المعنى لذي الحال، كما تثبته بالخبر للمبتدأ وبالفعل للفاعل(15).‏
وبهذا فإن الخبر ـ عند سيبويه ـ يعني الإعلام الذي يحصله للمخاطب العلاقات الإسنادية بين المسند (المحدث به) والمسند إليه (المحدث عنه) فلا تتعلق بالبناء وإنما ترتبط بالإفادة.‏
يقول الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح في هذا الشأن: "إن النحو العربي قد أسس على الغرض الذي من أجله خلق اللسان، وهو الإفادة؛ فغرضه لغوي محض، إذ يجعل الاسم والفعل عمادين للحديث، وهو ما يجري بين المتكلم والمخاطب، وهو شديد الاهتمام بهذين القطبين للكلام. فالاسم والفعل لا يطابقان الاسم والكلمة، كما يفهمها، بل قد يوافق هذان المفهومان المحدث عنه (المسند إليه)، والمحدث به (المسند) بشرط أن يعتبر فيهما التصديق والتكذيب؛ أي من حيث صحة الحكم وبطلانه، والواقع أن هذا الاعتبار منعدم عند سيبويه، ووجوده عند من تلاه يدل على تأثرهم بالمنطق، ومن جراء ذلك كانت مادة الدراسة النحوية العربية هي الحديث (لا الحكم) من حيث هو تبادل لفظي ذو فائدة (Contenu communicatif) بين قطبين ـ لافظ وسامع ـ وإن اشتبه الأمران على متأخري النحاة، فليس إلا لأنهم تناسوا حقيقة البلاغ اللغوي." (16).‏
وميزة أخرى تميز بها سيبويه، وهي أنه بنى تفسيره لكثير من الظواهر الخاصة بالتبليغ على المعرفة بقوانين خاصة بالخطاب استقاها من استقرائه الدائم واهتمامه المستمر بكلام العرب وذلك في قوله(17): ".... إذا قلت عبد الله منطلق تبتدئ بالأعرف ثم تذكر الخبر، وذلك قولك: كان زيد حليماً، وكان حليماً زيد، لا عليك أقدمت أو أخرت، إلا أنه على ما وصفتُ لك في قولك ضرب زيداً عبد الله. فإذا قلتَ: كان زيد فقد ابتدأت بما هو معروف عنده مثله عندك، فإنما ينتظر الخبر، فإذا قلت كان حليماً فإنما ينتظر أن تعرفه صاحب الصفة، فهو مبدوء به في الفعل، وإنْ كان مؤخراً في اللفظ. فإن قلت: كان حليم أو رجل، فقد بدأت بنكرة، ولا يستقيم أن تخبر المخاطَب عن المنكور، وليس هذا بالذي ينزل به المخاطب منزلتك في المعرفة"(18).‏
إن هذه اللطائف التي أوردها سيبويه، تبين لنا معرفته العميقة بخصائص الكلام عند العرب في مختلف أحواله ومقاماته؛ فمن ذلك الابتداء بما هو معروف، وبناء عليه يأتي ذكر الخبر وإعلام المخاطب، مثل ما يعلم به المتكلم، وعدم استقامة إخبار المخاطب عن المنكور، لأن ذلك لا ينزله منزلة المتكلم في المعرفة، وبالتالي لا تتم الفائدة ويستحيل التبليغ.‏
وتُظهر لنا القراءة المتأنية للكتاب، أن آراء سيبويه في هذه المسائل تستند إلى معرفة لسانية عميقة، هو ـ في كثيرها ـ مدين لأستاذه الخليل (ت175هـ) وشيوخه الآخرين حتى إنها تشكلت نظرية لسانية تميز ـ من حيث التحليل والتفسير ـ بين ميدانين لغويين هما: اللفظ الدال ومدلولاته، وبين الخطاب الذي هو كيفية استعمال هذا اللفظ، وبين مدلولاته في الإفادة(19).‏

ـ 2 ـ‏

وأما الجاحظ (ت 255هـ) فبدأ من مقدمة كتابه: "البيان والتبيين" متحدثاً عن اللسان وأهميته في الإبانة والإفصاح والتبليغ، مؤكداً ـ في ذلك ـ الرغبة والحاجة إليه، وذلك في سياق حديثه عن موسى عليه السلام، حين بعثه الله تعالى إلى فرعون بتبليغ رسالته والإبانة عن حجته والإفصاح عن أدلته فقال عن العقدة التي كانت في لسانه: (واحْلُلْ عُقْدَةً من لِسَانِي يَفْقَهُوا قولي((20)، واستنجد بأخيه هارون لأنه كان أفصح منه، مما يبين لنا أهمية الإفصاح عن الغرض وتبليغه إلى الآخرين، فيحصل التفاهم بينهم، وهو تأكيد على ضرورة حضور العنصر اللغوي في تعايش الناس وتعاملهم مع بعضهم، فـ"لم يخلق الله تعالى أحداً يستطيع بلوغ حاجته بنفسه." (21).‏
من هنا يظهر لنا البعد الاجتماعي للكلام، فالإنسان دون خطاب يبقى حبيس ذاته منعزلاً عن الجماعة، فوظيفة اللغة هي الربط بين أفراد المجتمع، وذلك بالتعبير عن حاجاتهم وأغراضهم المختلفة، وقد ألح الجاحظ على التلازم الموجود بين الحاجة الطارئة إلى اللغة وسرعة تحصيل مواضعاتها؛ بحيث كلما زادت الحاجة إلى اللسان قلصت النفس مسافات الزمن في الاستعداد لقبوله؛ فهناك ارتباط بين اللسان والإنسان، ووجود الإنسان ملازم لتولد حاجاته، ولا يمكن قضاؤها خارج حدود اللسان، فـ"الحاجة إلى اللسان حاجة دائمة وَاكِدة وَرَاهِنة ثابتة"(22). وهذا يعني أن الحدث الكلامي متلازم في نشأته وممارسته مع مقتضيات الواقع وما تمليه الضرورة، وأن اللغة حدث اجتماعي بالدرجة الأولى.‏
ويعمق الجاحظ قضية التبليغ بين المتخاطبين تعميقاً هو به رائد في قوله: "والمفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهم أفضل من المتفهم، وكذلك المعلم والمتعلم"(23). فالهدف الذي يرمي إليه المتخاطبان "إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع"(24). يركز الجاحظ ـ هنا ـ على الهدف من التبليغ وهو الفهم والإفهام، وبأي طريقة تم ذلك، فالمهم أن تحصل الغاية والفائدة من التخاطب، وهذا يتظافر مع ما نقله عن بشر بن المعتمر: "... والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتضع بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال..." (25).‏
إن شرف المعنى وقيمته لا تتعلق بصاحبه، من الخاصة هو أم من العامة؛ وإنما تتعلق بصحته وفائدته وما يقدم من منفعة بالنظر إلى ما تقتضيه أحواله؛ فالقضية الأساسية ـ هنا ـ هي الانتفاع بالكلام في الإبانة عن الغرض وتحقيق الحاجة، ولا يتم ذلك إلا بالفهم والإفهام؛ أي التخاطب في المقامات والأحوال المناسبة لذلك.‏

يزيد الجاحظ القضية توضيحاً فينقل نصاً آخر لبشر هو: "...ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ويوازي بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاماً، ولكل حالة من ذلك مقاماً حتى يقسم أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات..."(26).‏

المتأمل لهذا النص يجده يشمل عناصر العملية التبليغية بين المتكلم والمخاطب وما يترتب على ذلك من تأثير في الخطابات التي يحدثانها، فينبغي للمتكلم:‏

1 ـ "أن يعرف أقدار المعاني ويوازي بينها وبين أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات"، فعندما يعرف المتكلم قيمة المستمع وقدره ـ لاشك ـ سيعرف ما هي المعاني التي سيبلغه إياها حسبما تقتضي الأحوال.‏

2 ـ "فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاماً، ولكل حالة من ذلك مقاماً"، فبناء على معرفة المتكلم بمن يكلم، أي بالسامع يقوم باختيار الكلام المناسب في المكان والزمان والمقام المناسب.‏
3 ـ وبذلك يكون كلامه في مستويات حسب أقدار المعاني وأقدار المقامات وأقدار المستمعين والحالات التي يكونون فيها، فلكل طبقة اجتماعية مستوى من الخطاب يليق بمقامها، على المتكلم أن يعرفه، لكي يختار الكلام الذي يقتضيه مقام التخاطب "وكلام الناس في طبقات كما الناس أنفسهم في طبقات"(27).‏

فالكلام مستويات متعددة من حيث استعماله، فما تخاطب به العامة لا تخاطب به الخاصة، وما يقتضيه الخطاب اليومي من خفة وعفوية لا يقتضيه الخطاب المرتل الذي يتميز بالانقباض النفسي والفيزيولوجي(28)، ثم إن "نشاط القائل على قدر فهم المستمع"(29)؛ فإذا كان المستمع ذا ملكة جيدة في الفهم والتحليل فإن ذلك يجعل المتكلم في حالة جيدة لتبليغ خطابه في أحسن الظروف وبكيفية فيها من الحيوية والنشاط ما يضمن حسن الحديث ونفع المؤانسة(30). والعكس صحيح كذلك؛ فـ"من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤنة الاستماع منك"(31).‏
ولم يكتف الجاحظ بالحديث عن التبليغ اللغوي؛ بل نقرأ له آراء بارزة ومهمة جداً عن التبليغ غير اللغوي مستدلاً على حاجة اللغة إلى وسائل تعبيرية أخرى غير لغوية، فقد قال: "فأما الإشارة فباليد وبالرأس وبالعين والحاجب والمنكب إذا تباعد الشخصان وبالثوب وبالسيف"(32). ويكاد يتطابق قول الجاحظ هذا مع قوله في كتابه الحيوان: "فأما الإشارة فأقرب المفهوم منها: رفع الحواجب وكسر الأجفان ولَيّ الشفاه وتحريك الأعناق وقبض جلدة الوجه، وأبعدها أن تلوي بثوب على مقطع جبل تراه عين الناظر"(33).‏
إن الإشارة ـ هنا ـ تعادل الحركة الجسمية؛ فإما أن تكون باليد أو بالرأس أو بالعين أو بالحاجب أو بالمنكب، وهذه كلها إشارات معبرة يمكن أن تكون وسائل تبليغ غير لغوية تستعمل في التخاطب بين الناس حسب مقتضى الحال ومستدعيات الضرورة.‏
فإذا كان المتخاطبان قريبين من بعضهما كانت الإشارة برفع الحواجب وكسر الأجفان وليّ الشفاه وتحريك الأعناق وقبض جلدة الوجه؛ لأنها تفاصيل دقيقة في الوجه لا تمكن رؤيتها من بُعد. وأما إذا كان المتخاطبان بعيدين عن بعضهما فإن نوعية الإشارة تتغير فتصير بالثوب وبالسيف بحسب الحالات والمقامات الاجتماعية.‏
إن الإقبال بالوجه له دور مهم في فهم القصد وتبليغ المراد والتفاهم بين الناس، ولا يكفيك الاستماع إلى محدثك؛ إنما يجب أن يكون هناك جمع بين الاستماع والمشاهدة للإحاطة بمعرفة ظروف الكلام ومقاماته، والتمكن من مشاهدة الحال التي تصحب الخطاب كما يمارسه صاحبه.‏
وقد أشار الجاحظ إلى هذا في قوله: "...كان مطرف بن عبد الرحمن، يقول: لا تقبل بحديثك على من لا يقبل عليك بوجهه، وقال عبد الله بن مسعود: حدث الناس ما حدجوك بأسماعهم ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة فأمسك..." (34). كما قابل الجاحظ بين الإشارة واللفظ، فأشار إلى أنها "نعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ وتغني عن الخط." (35).‏
إن الإنسان وهو يتلفظ بالكلام يحدث إشارات ضرورية في التفاهم، ولا يمكن لأي منّا أن يتكلم ولا يحدث حركات أو إشارات معينة مصاحبة لكلامه كوسيلة من وسائل إيضاحه، كما تنوب الإشارة عن اللفظ أحياناً، فيستطيع المتكلم الإبانة عن غرضه والتفاهم مع غيره بوساطتها دون الحاجة إلى لغة فـ"مبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت." (36) وهي ـ من جهة أخرى ـ تغني عن الخط فلا يتم التبليغ بالكتابة وإنما يتم بها إن اقتضت الحال ذلك.‏
إن دور الإشارة يكمن في كونها وسيلة أساسية تمكن المتكلمين من تبليغ أغراضهم والتفاهم فيما بينهم ومعرفة مقاصدهم الدقيقة جداً وعلاقاتهم الحميمة "ولولا الإشارة لم يتفاهم الناسُ معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا الباب البتة"(37)، فلولاها ما تمكنوا من مخاطبة بعضهم ولاستغلقت عليهم أمور عديدة واستحال عليهم هذا النوع من التعبير عن أغراضهم الخاصة جداً بوساطة الإشارة ولا يُستطاع ذلك باللغة في بعض الأحيان.‏



وما يمكن قوله عن الجاحظ أنه نظر إلى ظاهرة التبليغ نظرة ثاقبة وصائبة جداً، وحاول الإحاطة بها من جميع جوانبها، وما تطرق إليه في القرن الثالث الهجري، فيه ما فيه مما توصل إليه الدارسون المحدثون، مما يجعله حدثاً فريداً في تاريخ الثقافة العربية.‏

ـ 3 ـ‏

وربط أبو نصر الفارابي (ت 339هـ)، إشكالية التبليغ بالتعليم فقسمه قسمين: "تعليم يحصل عنه ملكة، وتعليم يحصل عنه علم." (38).‏
أما القسم الأول؛ أي التعليم الذي يحصل عنه ملكة "فهو إما تعليم باحتذاء، وإما بمخاطبة، أو ما يقوم مقام المخاطبة من إشارة وكتابة"(39). فالتعليم بالاحتذاء "هو الذي يلتئم بأن يرى المتعلم المعلم بحال ما في فعل أو غيره، فيتشبه به في ذلك الشيء أو يفعل مثل فعله." (40).‏
نستشف من كلام الفارابي تركيزه على رؤية المتعلم للمعلم وأهميتها في تحصيل العلم والمعرفة؛ لأنها تبرز حال المعلم وهو يحدث خطاباته ويمارس العملية التعليمية وما في تلك الحال من حيوية ونشاط أو علامات دالة أخرى؛ فالرؤية تمكن المعلم من مشاهدة الإيماءات والحركات المختلفة التي تصاحب الخطابات التي يحدثها المتعلم على التشبه بها محتذياً بمعلمه، وهذا عامل على قدر كبير من الأهمية في حياتنا التعليمية؛ فإن كان المعلم يتميز بالحيوية والنشاط والكفاءة العلمية، فإن ذلك يظهر في تبليغه لتلميذه وطلابه وتخاطبه معهم والعكس صحيح.‏
وأما القسم الثاني من التعليم الذي تحدث عنه الفارابي فهو: "التعليم الذي يحصل عنه علم فقط، وإنما يكون بالمخاطبة وما جرى مجرى المخاطبة"(41)، ثم يفسر لنا المخاطبة بأنها جملة الأشياء التي تحصل بالفعل في ذهن السامع، وأن وجود هذه الأشياء في ذهنه تكون بإحدى جهتين: إما بالقوة وإما بالفعل، وهذا قد أخذه الفارابي عن أرسطو، ويعني بالقوة: قوة السامع على أن يكتب أو يتكلم أو يتفكر في أشياء متى أراد ذلك، إلا إذا كانت توجد عوائق تمنعه من ذلك أو تجعل الأمور أمامه عسيرة. ويعني بالفعل: ارتسام خيال الشيء في نفس السامع(42)، وهذا يتطلب من المتكلم والسامع أن يكون بينهما تواطؤ قبل أن يتم تخاطبهما. يقول الفارابي: "ويلزم أن يكون ذلك اللفظ مفهوم المعنى، متواطئاً عليه القائل والسامع جميعاً، قبل هذه المخاطبة." (43).‏
يلفت الفارابي ـ بهذا ـ انتباهنا إلى مكون أساسي في عملية التخاطب وهو المواضعة(44)، بين المتكلم والسامع، فإذا لم تكن مواضعة بينهما، فإن المخاطبة لا تتم هي كذلك، مما يؤكد على ملازمة المواضعة للحدث اللساني بما يضمن الاشتراك والتفاعل بين المتكلم والمخاطب بتساويهما "في مقدار ما عرف من الصناعة وفي كيفية فهمها." (45). فلا يمكن أن يحصل من الجاهل بالمواضعة اللغوية خطاب يستجيب لنواميسها، ويتشكل بأشكال أبنيتها، ثم يؤكد الفارابي على أن أحوال التخاطب تكون بحسب أحوال الألسنة وأحوال الأمم "ففي لسان كل أمة أحوال تخصه"(46)، وبهذا الطرح العميق يتضح التصور الشامل لظواهر التبليغ عند الفارابي، إذ لم يقتصر فيها على لسان معين.‏

ـ 4 ـ‏
وأما ابن جني (ت. 392هـ)، في القرن الرابع الهجري، فقد انطلق من خلال تحديده للغة بأنها أصول يعبر بها كل قوم عن أغراضهم(47)، مؤكداً ـ بذلك ـ مبدأ الحاجة إلى التخاطب والإبانة عن الغرض ومعرفة الأحوال ومصاير الأمور. ونشير إلى أن ابن جني قد استعمل كلمة "لغة" بمعنى "لسان" كوضع تشترك في استعماله الجماعة في مقابل الكلام، وهو ما يحدثه المتكلم من تأدية فردية للسان(48)، ثم فرق ابن جني بين الكلام والقول معتبراً الكلام نشاطاً تبليغياً يحقق الإفادة، فهو "ماكان تاماً غير ناقص ومفهوماً غير مستبهم... فلهذا سموا ما كان من الألفاظ تاماً مفيداً، كلاماً." (49).‏
إن الكلام عند ابن جني "مختص بالجمل التوامّ"(50)، والجملة الواحدة قد لا تفيد المخاطب ـ وحدها ـ في فهم المعنى، وإنما هي في حاجة إلى وحدات تبليغية أخرى تتعاضد معها وتتعاون في تبليغ المراد كاملاً إلى المخاطب(51).‏
إن من يقرأ كتاب "الخصائص"(52) يجد ابن جني قد افتتحه بخمسة فصول خصصها للفصل بين "الكلام والقول"، و"القول على اللغة"، و"القول على النحو" و"القول على الإعراب" و"القول على البناء"، وهذا يظهر لنا ما تميز به ابن جني في تحديد المفاهيم المختلفة التي يتناولها بالدرس والنظر.‏
وإذا كان الفارابي ـ كما سبقت الإشارة ـ قد أشار إلى المواضعة اللغوية بين المشتركين في الخطاب، فإن ابن جني قد ربط ذلك بالإشارة وما لها من تأثير في تبليغ المعنى وتحقيق المفاهمة بين المتخاطبين في جانب اللغة، فاللغة "لابد لأولها من أن يكون متواضعاً عليه بالمشاهدة والإيماء؛ أي أن المواضعة لابد معها من إيماء وإشارة بالجارحة نحو المومأ إليه والمشار نحوه"(53). فهناك مستويان مترابطان هما:‏

مستوى اللغة ومستوى الإشارة، فكلاهما في حاجة إلى الآخر في عملية التبليغ، وكلاهما ظاهرة اجتماعية إن صح التعبير. ولم ينس ابن جني أن يشير إلى ما يتركه المتكلم في نفسية المخاطب من تأثير، فإذا شعر بالحاجة إلى مخاطبة صاحبه في أمر ما، أو أراد أن يصور له قضية من القضايا بدقة وبتفاصيل كثيرة، لجأ إلى استعطافه ومحاولة استمالته والتأثير عليه نفسياً، ليقبل عليه بوجهه، فإذا فعل ذلك اندفع يحدثه آمراً أو ناهياً، أو غير ذلك، ومن هنا يظهر لنا إلحاح ابن جني على أهمية الإقبال بالوجه في التبليغ، وقد رأينا ذلك عند الجاحظ أيضاً.‏

ثم يقارن ابن جني بين ما تسمعه الأذن من الخطاب وما تبصره العين من الأحوال التي يتعلق بها الخطاب، فيقول: "فلو كان استماع الأذن مغنياً عن مقابلة العين، مجزئاً عنه لما تكلف القائل ولا كلف صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه"(54). نلاحظ أنه قد وازن بين الاستماع والرؤية؛ فالسمع ـ في نظره ـ غير كاف لفهم الكلام إذا لم تصحبه رؤية الملامح والإيماءات والإشارات، فتزيد في إيضاحه وتساعد على فهمه كما ينبغي؛ فابن جني ـ هنا ـ يعتبر بمشاهدة الوجوه ويجعلها دليلاً على مافي النفوس(55).‏

إن رؤية الشخص وهو يتكلم مهمة جداً في العملية التبليغية لكونها تمكننا من مشاهدة حال الخطاب كما هي، "وعلى ذلك قالوا: رب إشارة أبلغ من عبارة... وقال لي بعض مشايخنا رحمه الله أنا لا أحسن أن أكلم إنساناً في الظلمة..." (56). ونتأمل ما لعبارة "أنا لا أحسن أن أكلم إنساناً في الظلمة" من أهمية بالغة في التخاطب؛ فعندما نكون بصدد الكلام مع إنسان لا نراه يكون تخاطبنا معه غير كاف لكوننا لا نرى حاله وما يصحب كلامه من تفاصيل يظهرها الوجه، ومن انفعالات تبديها الملامح(57).‏

ونورد نصاً آخر لابن جني ـ على الرغم من طوله ـ وذلك نظراً لأهميته في هذه المسألة يقول: "فليت شعري، إذا شاهد أبو عمرو، وابن أبي إسحق، ويونس، وعيسى بن عمر، والخليل وسيبويه، وأبو الحسن، وأبو زيد، وخلف الأحمر، والأصمعي، ومن في الطبقة والوقت من علماء البلدين، وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها وتقصد له من أغراضها ألا تستفيد بتلك المشاهدة وذلك الحضور ما لا تؤديه الحكايات ولا تضبطه الروايات فتضطر إلى قصود العرب وغوامض مافي أنفسهم، حتى لو حلف منهم حالف على غرض دلته عليه إشارة لا عبارة"(58).‏

فبتأملنا لهذا النص نجد ابن جني قد أورد جملة من الأعلام المشهورين الذين اشتغلوا بجمع اللغة العربية ودراستها، وتمنى لو شاهدوا وجوه العرب فيما تتعاطاه من كلامها وتقصده من أغراضها، فتلك المشاهدة تؤدي من الفائدة ما لا تؤديه الحكايات الطويلة التي تكون بها زيادة أو نقصان أو يكون بها تضليل للمخاطب.‏

إن المشاهدة تمكن من رؤية حال الخطاب في لحظة حدوثه بمختلف ظروفه وما به من تفاصيل، وحتى إذا أراد أحد المتحدثين إخفاء غرض من الأغراض عن صاحبه دلته عليه إشارة من الإشارات التي يحدثها وهو يتكلم.‏

وبهذا فإن الإشارة تجعل من المتكلم والمخاطب "شاهد حال"(59)، ولا حيلة ولا مغالطة إذا حضر الشاهد شاهد الحسّ وأعظم به من شاهد(60)، فمن اللغة مع ما يصاحبها من إشارات وملامح تبديها الوجوه يتحقق لنا "محصول الحديث"(61)، وتجدر الملاحظة ـ مرة أخرى ـ إلى أن ما تناوله ابن جني ـ هنا ـ يمثل قضية منهجية في غاية الدقة والإحكام تستثمرها الدراسات الحديثة في إطار البحوث الميدانية التي تعتمد النزول إلى الميدان ومشاهدة عينة البحث موضوع الدراسة، لأن ذلك يؤدي إلى الفهم الدقيق وضبط النتائج، ولعل فهم النحاة الأولين لكلام العرب كان ربما لا يصح لولا مشاهدتهم المباشرة لأحوال خطاباتهم.‏

ـ 5 ـ‏

أما ابن فارس (ت 395 هـ)، فقد بنى الخطاب على الفهم والإفهام؛ فالإفهام وظيفة يقوم بها القائل والفهم وظيفة يقوم بها السامع(62)، مؤكداً ما رأيناه عند الجاحظ، بخصوص المسألة نفسها، لكن ابن فارس ربطها بوجهين أحدهما: الإعراب، وثانيهما: التصريف. فبالإعراب تُميز المعاني وتُعرف أغراض المتكلمين انطلاقاً من الحركات الإعرابية فلو قال قائل: "ما أحسن زيد، غير معرب، أو ضرب عمرو زيد غير معرب، لم يوقف على مراد.".(63).‏

إن الإعراب إبانة عن المعاني المرادة، ولذلك فهو ضروري لتبليغ المقصود وإفهام الآخرين في إطار نظام لغوي خاص؛ حيث يجوز التقديم والتأخير واستعمال صيغة مقام صيغة أخرى. وكذا الشأن للتصريف "فإن من فاته علمه فاته المعظم"(64). وبه يتم الإفصاح وتتضح المعاني وتفهم الأغراض "لأنّا نقول: وجد وهي كلمة مبهمة، فإذا صرفنا أفصحت فقُلنا في المال وَجْداً، وفي الضالة وِجْداناً، وفي الغضب مَوْجِدةً، وفي الحزن وَجْداً"(65)، وهذا بالنسبة للذي يعرف الإعراب والتصريف. فأما من لا يعرفهما فيمكن إفهامه بوجوه يطول ذكرها من إشارة وغير ذلك.‏

إن أهمية الإعراب لا تعني الذهاب به إلى مسائل عويصة ومعقدة، تكلف ما يُغرب على السامعين ويعايي به الحاضرين(66). ويؤدي إلى التعسف في التخطئة، فيصير كل من لا يظهر الإعراب في كلامه على خطأ، وقد أدى هذا إلى اعتبار المأنوس من كلام العرب غير فصيح، وحصر العربية في مستوى التحرير فقط، بل حتى مستوى التحرير تكاثرت فيه الأخطاء، وصار اللحن فيه كثيراً(67).‏

إنما العرب تجتاز الإعراب اجتيازاً(68)، وترفرف عليه ولا نتفيهق فيه(69) وتشامُّه ولا تحققه(70)، ولهذا لا يمكن الاقتصار على الجانب النحوي والتصريفي فقط، بل لابد من ممارسة الكلام في إطاره الطبيعي الشفاهي والمكتوب، والتخاطب الحقيقي في حالة الاتصال وتبليغ الأغراض وبالامتثال لمقتضى الحال(71).‏

وأعطى ابن فارس ـ من جهة أخرى ـ أهمية للوظيفة الإعلامية التي يؤديها الكلام وذلك في قوله: "أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام تقول أخبرته أُخبره والخبر هو العلم... وهو إفادة المخاطب"(72). فوظيفة الخبر إعلامية هدفها إفادة المخاطب بمحتويات الخبر، وهذا قد أشار إليه سيبويه كما رأينا في بداية الموضوع.‏

ـ 6 ـ‏

وأثار أبو حيان التوحيدي (ت 414 هـ)، هو أيضاً حال الخطاب وقراءتها وأهمية العلاقات الرابطة بين المتكلم والمخاطب والخطاب والظروف المختلفة (المرئية والمسموعة) المحيطة بذلك؛ وعليه فالشرح للحال مهم جداً، لأنه يمكن المتخاطبين من غاية الخطاب، والظفر بالمراد حسب مقتضيات الأعراف والعوائد، نلمس ذلك في قوله: "والشرح للحال أبلغ إلى الغاية وأظفر بالمراد وأجرى على العادة"(73).‏

ثم فرق أبو حيان بين أنفس العلماء وأنفس المتعلمين، فنفس العالم عالم بالفعل ومعرفته بأسرار اللغة معرفة علمية خالصة، وهي غير ملكته اللغوية التي اكتسبها مثل بقية الناس في اللغة التي يحكمها، وليست هذه المعرفة من قبيل الأفعال المحكمة التي بها يسلم الكلام من الخطأ واللحن؛ بل هي من قبيل المعرفة النظرية البحتة(74). وعلى هذا، فإن تبليغه لأغراضه في خطاباته يتأسس على هذه المعرفة فتنعكس عليه وتسمه بسماتها وتساهم في بنائه وتشكيل معانيه.‏

أما أنفس المتعلمين فعالمةٌ بالقوة؛ لأنها لا تمتلك المعرفة النظرية البحتة للغة، وإنما لها قدرة كامنة تساعدها على اكتساب الأوضاع التبليغية المناسبة من دراية "بعلة إهمال ما أهمل واستعمال ما استعمل"(75). وإنما هي ملامسة لجوهر اللغة ومواصفاتها بالفطرة وحسن الطبع وقوة النفس ولطف الحس، تجد بالقوة ملا تعرفه بالصنعة(76).‏

وفرق أبو حيان ـ كذلك ـ بين الإفضاء بالقلم والإفضاء باللسان؛ فالقلم عنده أطول عناناً من اللسان وإفضاء اللسان أحرج من إفضاء القلم، والغرض كله الإفادة(77). فالإفضاء بالقلم مكتوب لا تصحبه مشاهدة الحال، ولكنه أكثر اتساعاً وأرحب مجالاً وأطول عناناً للقول، يجعل المتكلم يفضي بذات نفسه دون حرج كثير، أما إفضاء اللسان فأحرج من إفضاء القلم، لأن مشاهدة الحال تكون مصاحبة له ويكون ذلك الإفضاء مواجهة بينه وبين من يفضي إليه، وقد تبدو علامات ذلك الحرج على الوجوه والملامح، وتؤثر في التخاطب، وإذا كانت المشافهة تمثل استثماراً في التعبير عن النشاطات المختلفة للحياة اليومية فإن الكتابة تعد المظهر الثاني للغة بعد المظهر الصوتي، وهي محاولة للتعبير عن اللغة في واقعها الصوتي ومحاولة لنقل الترجمة الصوتية السمعية إلى ظاهرة كتابية مرئية تمكن قراءتها.‏

وإذا كانت المشافهة مقصورة على القريب الحاضر ـ في أغلبها ـ فإن الكتابة مطلقة في الشاهد والغائب، تتيح مجالاً أوسع للإعداد الذهني، وفرصة أكثر للتفكير من الكلام المنطوق الشفوي.‏

ـ 7 ـ‏

وانطلق عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) من أغراض المتكلم وأحوال الخطاب، وما يترتب على ذلك من كلام يتميز بخواص تركيبية وموضعية ـ بالنسبة للألفاظ ـ تتلاءم مع المقامات التي تقال فيها، فنفذ إلى صميم الظاهرة التبليغية من خلال نظريته في النظم(78) وهي توخي معاني النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه والعمل بقوانينه وأصوله(79)، وهو أن "ترتب المعاني أولاً في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك"(80)، ولعل أوفى العبارات وأهمها عن النظم هي(81): "واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها، وذلك أنَّا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك، زيد منطلقٌ، زيد ينطلق، وينطلق زيد، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق. وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرجْ أخرجْ، وإن خرجتَ خرجتُ، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج إن خرجتَ، وأنا إن خرجتَ خارج. وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعاً، وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع أو هو يسرع، وجاءني قد أسرع، وجاءني وقد أسرع. فيعرف لكل من ذلك موضعه ويجيء به حيث ينبغي له. وينظر في الحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى، فيضع كلاً من ذلك في خاص معناه نحو: أن يجيء بـ"ما" في نفي الحال، وبـ"لا" إذا أراد نفي الاستقبال، وبـ"إن" فيما يترجح بين أن يكون وأن لا يكون، وبـ"إذا" فيما علم أنه كائن. وينظر في الجمل التي ترد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء ، وموضع الفاء من موضع "ثم" وموضع "أو" من موضع "أم" وموضع "لكن" من موضع "بل" ويتصرف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار والإضمار والإظهار فيضع كلاً من ذلك مكانه ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له."(82).‏

نلاحظ في هذا النص ثلاثة مصطلحات أساسية هي: الوجوه والفروق "والموضع"، تدل هذه المصطلحات على أن اللغة لها إمكانات متعددة للتبليغ مع مراعاة الفروق في المعنى بين إمكانية وأخرى، وهو أمر لا يتأتى إلا للخبير بأسرار اللغة، فيستطيع معرفة هذه الأسرار وظروفها ويضعها موضعها الحقيقي.‏

وبناء على هذا راح عبد القاهر يبين لنا طرائق الخطاب التبليغي، أي التبليغ المثير الفعال من خلال المعرفة بخصائض اللغة في الإسناد وفي الوجوه والفروق والموضع وما يصحبها من خصوصيات في المعنى توافق المقام الذي يقتضيه المقال، وما يترتب على ذلك من دلائل، فقد أدرك عبد القاهر أن نظرة النحاة إلى العلاقات الإسنادية لا تفي بالغرض، وأحياناً تؤدي إلى غير الصواب، فمن ذلك تقسيم العبارة إلى قسمين: المسند والمسند إليه، أو الفعل والفاعل، أو المبتدأ والخبر وما زاد على هذين الركنين فهو فضلة أو زيادة يمكننا فصله عن الجملة(83)، ومن ثم راح يبين لنا أهمية هذه العلاقات في المعنى، فكل عنصر من عناصر الإسناد له دور في التعبير عن الغرض، فالمسند(84) إما أن يكون اسماً أو فعلاً، وقد يكون نكرة أو معرفة وربما يأتي متقدماً أو متأخراً وأحياناً يفصل بين المسند والمسند إليه بضمير الفصل، ولكل من ذلك معنى يختلف عن الآخر، والشرط له صوره المتعددة، وكذا الشأن للحال؛ فقد يكون مفرداً أو جملة اسمية أو فعلية مقروناً بالواو أو بـ"قد" أو بهما، ولكلٍ موضعه من حيث ينبغي له، والحروف لكل منها معناه الخاص الذي يتميز به عن غيره، فـ"ما" و"لا" كلاهما للنفي، ولكن "ما" للحال و"لا" لنفي الاستقبال، والفصل والوصل له أهميته الكبيرة ويعتمد على فهم العلاقات النحوية ووظائفها في الخطاب وهو من أسرار البلاغة ومما لا يتأتى الصواب فيه إلا الإعراب الخلص.‏

إن عبد القاهر لا يقف عند حدود الحكم بالصحة والفساد، ولذلك تجاوز الوظيفة الإعرابية إلى وظيفة المعنى، لأن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يستنبط بالفكر ويستعان عليه بالروية(85)، أما وظيفة المعنى فتختلف تبعاً للسياق اللغوي الذي توجد فيه، ولظروف الخطاب التي تحيط بها، ولذلك تحتاج إلى حدة الذهن وقوة الخاطر.‏

ـ رأي عبد القاهر في اللفظة:‏

تبدو لنا نظرة عبد القاهر في اللفظة من خلال قوله: "وهل تجد أحداً يقول: هذه اللفظة فصيحة، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها، وفضل مؤانستها لأخواتها"(86). نستشف من قول عبد القاهر، رداً صريحاً على الذين يهتمون باللفظة ويعدونها مكمن الفصاحة(87) وهي لا تكمن في اللفظة منفردة، وإنما في تشابك علاقاتها ومعانيها مع معاني جاراتها.‏

إن اللفظة منفردة لها معنى محدود وأفق ضيق، لا يتعدى المعجم، أما إذا كانت مع أخواتها في سياقاتها اللغوية اللازمة وبحسب مواضعها فلها إمكانات متعددة للتعبير عن المعاني، تؤدي إلى فسحة القول واتساع النص، ولذلك ينبغي النظر إلى الكلمة قبل دخولها في التأليف وقبل أن تصير إلى الصورة التي يكون بها الكلم إخباراً وأمراً ونهياً واستخباراً وتعجباً(88)، ليتم ـ بعد ذلك ـ اختيار الكلمة المناسبة بحسب الموضع الذي يقتضيه المقام، فـ"لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير "لا يكون لصاحبتها"(89).‏

واللفظة تكون في غاية الفصاحة في موضع، ولكنها لا تكون كذلك في مواضع أخرى تبعاً للأغراض التي يوضع لها الكلام، وعليه فإن الفضل والمزية يكونان بحسب الموضع وبحسب المعنى الذي تريد و الغرض الذي تؤم(90).‏

وجملة الحديث أنه لا يمكن أن يتعلق الفكر بمعاني الألفاظ منفردة ومجردة من معاني النحو، ومن ثم فإن "النظم هو توخي معاني النحو في معاني الكلام، وأن توخيها في متون الألفاظ محال"(91).‏

ومما ينبغي أن نعلمه أن عبد القاهر لا يلغي اللفظة تماماً، ولا يقدم أهميتها في تعلق الفكر بها، وإنما يعني أن لا يكون ذلك فيها مجردة عن معاني النحو ومنطوقاً بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو(92). وإنما دلالة اللفظ لها أهميتها في التعبير عن الأغراض، وتبليغ المقاصد بتظافرها مع دلالة الحال ودلالة المعنى، فلا مزية لها في ذاتها إلا بارتباطها معهما، فالخطاب يحتاج في معناه إلى دلالة الحال دائماً ودلالة المعنى في ظروف خاصة. فدلالة اللفظ: هي التي يقتضيها اللفظ بالوضع ويصل المتكلم منها إلى الغرض باللفظ وحده؛ أي أنها تتعلق بالحقيقة لا بالمجاز.‏

ودلالة المعنى: هي التي لا تتم باللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تتولد عن ذلك دلالة ثانية تصل منها إلى الغرض بالكناية والاستعارة والتمثيل، أي أنها تتعلق بالمجاز لا بالحقيقة، والمجاز أبلغ من الحقيقة، وهذه الدلالة هي التي يسميها عبد القاهر "معنى المعنى". ودلالة الحال: هي التي يقتضيها حال الخطاب.‏

وأوفى العبارات التي تدلنا على هذه الدلالات عند عبد القاهر هي: "وإذ قد عرفت هذه الجملة فههنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى: المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة وبمعنى المعنى: أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر"(93).‏

وأشار عبد القاهر كذلك إلى المعاني القائمة في النفس ـ أو بتعبير آخر ـ خوالج المتكلم النفسية هي التي توجه خطاباته الوجهة المناسبة، وتتحكم فيها وتكيفها بأن تجعلها مناسبة لما تقتضيه الأحوال والمقامات وتمكن المخاطب من التفطن لخواص تراكيبها ومواضع كلمها وذلك "أن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس"(94).‏

نفهم من هذا أن الألفاظ تتبع المعاني في مواقعها، و"إذا وجب لمعنى أن يكون أولاً في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولاً في النُّطق"(95). وعلى هذا فإن الفائدة من الكلام تحدث من بعد التأليف لا من اللفظة منفردة دون أن ينظر إلى حالها مع غيرها، وإنما من المعاني الحاصلة من مجموع الكلام التي هي أدلة على الأغراض، فإذا كانت المعاني قوية استوجبت استعمال ألفاظ قوية مصداقاً لقول ابن جني: "إن قوة المعنى تتطلب قوة اللفظ"(96)، وبناء عليه، فإن الأساليب الرصينة تستدعي ـ هي الأخرى ـ ملامسة المعاني العظيمة.‏

ومحصول الحديث أن عبد القادر قد استطاع أن يسبر أغوار الظاهرة التبليغية باهتمامه الواضح بأحوال الحديث، وتفكيكه لحدث التخاطب إلى مختلف مكوناته، وبناء على هذا يمكننا أن نذهب إلى أن نظرية النظم هي ـ في الحقيقة ـ نظرية في الخطاب، وأن دلائل الإعجاز كتاب في تحليل الخطاب وظواهر التبليغ اللغوي إن صح التعبير، وأن الخطاب نشاط تبليغي يتأسس على النظم في مقابل الوضع والنظام اللغوي في ذاته، تتكشف وراءه أبعاد وتتفتح آفاق وتكمن رؤى وإيحاءات تتعلق بإعجاز القرآن الكريم الذي هو خطاب قوامه المجاز(97).‏

ـ 8 ـ‏

وإذا كان عبد القاهر الجرجاني قد استنبت مفاهيم البلاغة في حقول النحو باعتباره يؤلف مادة خصبة لفهم مشكلة المعنى في تحليل النصوص، فإن أبا يعقوب السكاكي (ت 626هـ)، قد أقام دراسته انطلاقاً من العلاقة بين المتكلم والمخاطب في مختلف حالاتها وتغيراتها وظروفها، وكذا مقاصد المتكلم ونيّاته من وراء استعمالاته للغة، فحق الخطاب أن يكون مع مخاطب معين(98)... فهناك حاجة إلى التخاطب بين بني الإنسان وهو بذلك يؤكد ما رأيناه مع الجاحظ وابن جني وغيرهما ممن سبقوه.‏

ثم إن هذا التخاطب لا يتم إلا بالتعرض لمقتضى الحال(99)، وهو مجموعة من العوامل التي تحيط بالكلام وتساهم في إيضاحه وتساعد على فهمه وتحليله، فكل كلام يتم إحداثه عن قصد يجد ما يبرره في شخصيتي المتخاطبين للفهم والإفهام، ويشترط مقتضى الحال عنصر الإفادة بالنسبة للسامع من خلال تعريف السكاكي لعلم المعاني بأنه "تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره"(100)، وذلك بتتبع أحوال العلاقات الإسنادية وبيان كيفية ارتباطها بالإفادة التي تحملها الجملة للمخاطب في السياقات اللغوية المختلفة.‏

ونشير إلى أن الإفادة تتفاوت وتتباين من حال إلى أخرى حسب ما يقتضيه مقام الخطاب؛ فمقامات التشكر والتهنئة والمدح والترهيب والجد، تباين مقامات الشكاية والتعزية والذم والترغيب والهزل، وكذا الشأن لمقام الكلام ابتداء يتباين مع مقام الكلام بناء على الإنكار، وكل لبيب يعلم ذلك، وأيضاً مقام الخطاب مع الذكي يغاير مقام الخطاب مع الغبي ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر(101). وعلى هذا يمكننا تثبيت القول المأثور: "لكل مقام مقال" بما أن الاستعمال يختلف باختلاف المقام؛ أي ما يقتضيه اختلاف المخاطب وحال الخطاب.‏

ثم يلفت نظرنا إلى الحالة التي يكون عليها المخاطب في تلقي الخطابات فيماثل السكاكي بين جوهر الكلام البليغ والدرة الثمينة غالية الدرجة والقيمة(102) فكذلك قيمة الكلام تكمن في أن يوفى حقه من الإصغاء(103). بالإضافة إلى جملة من الشروط الأخرى التي يجب توفرها في المخاطب أثناء سماعه للخطاب وهي: ".... أن يلقى من القبول له والاهتزاز بأكمل ما استحقه ولا يقع ذلك مالم يكن السامع عالماً بجهات حسن الكلام ومعتقداً بأن المتكلم تعمدها في تركيبه للكلام عن علم منه، فإن السامع إذا جهلها لم يميز بينه وبين ما دونه وربما أنكره"(104).‏

ركز السكاكي ـ هنا ـ على الحالة النفسية للمخاطب ومعلوماته السابقة عن الخطاب ومعرفته بمكامن الحسن فيه واعتقاده بأن المتكلم قد قصدها متعمداً. ومن هنا يكون السكاكي قد اهتم بمقضى الحال والمقام والمتكلم والمخاطب والخطاب والإفادة، شأنه شأن من سبقه من الدارسين العرب، وهي نفسها عناصر العملية التبليغية كما نعرفها في عصرنا، ونحاول الاشتغال بها في تحليل النصوص والخطابات لمعرفة خصائصها الأسلوبية ووظائفها المختلفة في المستويات الصوتية و المعجمية والصرفية والنحوية والدلالية، وتفاعل بعضها ببعض في سياقاتها اللغوية ومقاماتها التي وردت فيها.‏

راح السكاكي ـ بهذه النظرة ـ يبين لنا مراتب الكلام البليغ في القرآن الكريم متتبعاً ومحللاً الآية الكريمة (ربّي قد وَهَن العظم منّي واشتعَل الرأس شيبا((105)، ومبيناً كيفية إخراج الدلالة وتدرجها من الحقيقة إلى المجاز كما يلي(106):‏

ـ المرتبة الأولى: "يا ربي قد شخت"؛ لأن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس.‏

ـ المرتبة الثانية: "ضعف بدني وشاب رأسي" بالتصريح.‏

ـ المرتبة الثالثة: أبلغ وهي الكناية في "وهنت عظام بدني".‏

ـ المرتبة الرابعة: في التقرير وهي "أنا وهنت عظام بدني".‏

ـ المرتبة الخامسة: "إني وهنت عظام بدني".‏

ـ المرتبة السادسة: فيها الإجمال والتفصيل: "إني وهنت العظام من بدني".‏

ـ المرتبة السابعة: "إني وهنت العظام مني".‏

ـ المرتبة الثامنة: يشمل فيها الوهن العظام فرداً فرداً لصحة وهن المجموع بالبعض فحصل "إني وهن العظم مني".‏

ـ المرتبة التاسعة: "اشتعل شيب رأسي"، على الحقيقة ثم تركت إلى مرتبة أبلغ منها فحصل.‏

ـ المرتبة العاشرة: "اشتعل رأسي من الشيب"، إسْناد الاشتعال إلى الرأس.‏

ـ المرتبة الحادية عشرة: "اشتعل الرأس شيباً"، وهي أبلغ وأفصح المراتب كلها.‏

إن هذا التنوع والتباين في مراتب الكلام، مرده إلى التباين في مقامات الخطاب، وإلى تباين الدلالة الحقيقية والدلالة العقلية؛ إذ يطلق السكاكي على دلالة الحقيقة الدلالة الوضعية(107) وعلى دلالة المجاز الدلالة العقلية(108).‏

وبوضع الدلالة العقلية مكان الدلالة الوضعية؛ أي وضع المجاز مكان الحقيقة يكتسب الخطاب طاقة تعبيرية لها من الكثافة والتأثير ما ليس لها في الدلالة الوضعية، وذلك طلباً لتحقيق عنصر الفن والجمال في الخطاب، أو بتعبير آخر، طلباً للبلاغة، لأن الحديث عن التبليغ في التراث اللغوي العربي يعود ـ في رأيي ـ إلى الموروث البلاغي في كثيره أو قليله.‏

ـ 9 ـ‏

وأما حازم القرطاجنيّ ( ت 694 هـ)، فقد انطلق من التأثير المتبادل بين المتخاطبين متحدثاً عن الأحو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

مفهوم التبليغ وبعض تجلياته التربوية في التراث اللساني العربي ـــ د.بشير إبرير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة ::  اللسانيات النظرية :: اللسانيات العامة-
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

قم بحفض و مشاطرة الرابط منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة على موقع حفض الصفحات
أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


فانضموا إليها

Computer Hope
انضم للمعجبين بالمنتدى منذ 28/11/2012
سحابة الكلمات الدلالية
محمد وخصائصها التداولية موقاي اللغة متنوعة التداوليات الجمل الحذف المدرسة الهمة بلال النص نشأة الشرط مكتبة الاجنبي العربية كتاب ظاهرة القاسمي المبهمات النقد اللسانيات النحو تحميل


حقوق النشر محفوظة لمنتديات تخاطب
المشاركون في منتديات تخاطب وحدهم مسؤولون عن منشوراتهم ولا تتحمل الإدارة ولا المشرفون أي مسؤولية قانونية أوأخلاقية عما ينشر فيها

Powered by phpBB© 2010

© phpBB | الحصول على منتدى | منتدى مجاني للدعم و المساعدة | إتصل بنا | التبليغ عن محتوى مخالف | انشئ مدونتك الخاصة مجانيا