منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
تسجيلك في هذا المنتدى يأخذ منك لحظات ولكنه يعطيك امتيازات خاصة كالنسخ والتحميل والتعليق
وإضافة موضوع جديد والتخاطب مع الأعضاء ومناقشتهم
فإن لم تكن مسجلا من قبل فيرجى التسجيل، وإن كنت قد سجّلت فتفضّل
بإدخال اسم العضوية

يمكنك الدخول باستخدام حسابك في الفيس بوك



ستحتاج إلى تفعيل حسابك من بريدك الإلكتروني بعد تسجيلك هنا
التسجيل بالأسماء الحقيقية ثنائية أو ثلاثية وباللغة العربيّة فقط

منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة

تهتم بـ الثقافة والإبداع والفكر والنقد واللغة والفلسفة
 
بحـثالرئيسيةالتسجيلدخول
تعلن إدارة المنتديات عن تعيين الأستاذ بلال موقاي نائباً للمدير .... نبارك له هذه الترقية ونرجو من الله أن يوفقه ويعينه على أعبائه الجديدة وهو أهل لها إن شاء الله تعالى
للاطلاع على فهرس الموقع اضغط على منتديات تخاطب ثم انزل أسفله
» الاتجاه التداولي والوظيفي في الدرس اللغويالإثنين 2 أكتوبر 2017 - 20:42 من طرف الشريف الجرجاني» نظرية النحو التحويلي – تشومسكي الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 - 22:51 من طرف شادي مجلي سكر» الدّرسُ النحوي في بغداد أم مدرسَة بغداد النحويّة؟ - د.محمد قاسم1الأحد 24 سبتمبر 2017 - 23:17 من طرف احمد عارف الكبيسي» لأول مرة على النت كيف ننجز الأشياء بالكلمات؟ أ.د محمد حسن عبد العزيزالسبت 16 سبتمبر 2017 - 21:53 من طرف رنيم يوسف» الفلسفة:تعريفها و أهميتها والرد على دعاوى معارضيهاالخميس 7 سبتمبر 2017 - 23:09 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» براءةٌ من تجاوزات الخيامالخميس 20 يوليو 2017 - 5:23 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيام - المجموعة الرابعةالإثنين 17 يوليو 2017 - 6:41 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيام - المجموعة الثالثةالأحد 9 يوليو 2017 - 9:30 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيام - المجموعة الثانيةالأحد 2 يوليو 2017 - 7:43 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيامالإثنين 26 يونيو 2017 - 9:01 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» ورشة عمل #الامن و#السلامة في#المستشفيات والمراكز الصحيةالثلاثاء 6 يونيو 2017 - 16:38 من طرف مركز ميتك» #دورة ادارة المخاطر التعاقدية و#التأمين و#التعويضات #دورة معتمدةالثلاثاء 6 يونيو 2017 - 16:34 من طرف مركز ميتك» #دورة ﺍﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻓﻲ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻹﺩﺍﺭﻳﺔ #دورة متقدمةالثلاثاء 6 يونيو 2017 - 16:31 من طرف مركز ميتك» #دورة الاتجاهات العملية والتطبيقية في العقود و#الرخص #الالكترونية الأربعاء 31 مايو 2017 - 17:37 من طرف مركز ميتك» #دورة المفاهيم الأساسيه لعلم السموم Basic concepts of Toxicologyالأربعاء 31 مايو 2017 - 17:33 من طرف مركز ميتك

شاطر | 
 

 -قصيدة النثر- "صوت الشاعر أم صوت اللغة" عبد الستّار جبر الأسدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد صغير نبيل
عضو شرف
عضو شرف
avatar

وسام النشاط :
وسام النشاط

القيمة الأصلية

البلد :
الجزائر

عدد المساهمات :
204

نقاط :
476

تاريخ التسجيل :
16/05/2010

الموقع :
الجزائر


مُساهمةموضوع: -قصيدة النثر- "صوت الشاعر أم صوت اللغة" عبد الستّار جبر الأسدي   الثلاثاء 22 فبراير 2011 - 7:39

-قصيدة النثر-
"صوت الشاعر أم صوت اللغة"

عبد الستّار جبر الأسدي

لم يحصل في تاريخ الأدب واللغة منذ نشوئهما أن وجدَ الشاعر نفسهُ يمتلك قدراً واسعاً جداً من الحرية في التعامل مع الشعر والنثر في كتابة حديثة استطاعت أن توّحد بينهما وتدعّي لنفسها الحق في أن تكون ابناً شرعياً لهما. معتبرةً كونها نتاج تمازجهما وتزاوجهما الذي طال انتظاره منذ أمد بعيد، لكنها في ذات الوقت لازالت تتناوشها الاتهامات والانتقادات ومحاولات اسقاطها والإطاحة بها من مكانها الذي تربعت عليه في الساحة الأدبية المعاصرة، حتى من الأوساط المُقرّبة لها التي شكّكت بهويتها الاصطلاحية معتبرةً تسميتها اصطلاحاً خاطئاً لا يستند إلى حقيقة منطقية ترفض الجمع بين نقيضين على مستوياتها البنيوية والشكلية كافة، وتعرّضتْ إلى أقصى درجات العداء بتصنيفها ضمن الأدب الفوضوي والتمردي لا الالتزامي، وبأنها لاتمثل خطاً منهجياً بكونها جنساً وشكلاً أدبياً مستقلاً، وقد ساهم تاريخ ولادتها ودعاة مؤسسيها وممن استخدمها حقلاً لتجاربه الواعية واللاواعية من المذاهب والتيارات المختلفة في إعطائها هذا الطابع المُتّسم باللاشكلانية الاعتباطية وبالقصدية المشوشة، ومن المؤكد أن نقطة التعارض والاختلاف ومثار الجدل القائم تنصّب حول عملية الاتحاد والاتصال الجديدة بين الشعر والنثر وانسلاخ هويتهما الجنسيتين ودمجهما في هوية معاصرة غير محددة ومكتملة الملامح والمعالم بعد، فمن السذاجة الرؤيوية أن ينحصر الاحتدام الجدلي حول المصطلح والتسمية فقط دون المساس بما حصل ويحصل في إطار وبوتقة تجارب الكتابة الحديثة، وحتى لو ضيّقنا التناول النقدي في دائرة المصطلح فإن أبسط محاولة لسيره تكشف لنا أنه يُخفي مسيرة نضال وصراع تاريخي طويل بين خطيّن متوازيين التقيا أخيراً في نقطة تقاطع مشتركة بينهما، ولم يأتِ هذا اللقاء من سهولة المحاولة والصدفة التجريبية لأنهُ بالتأكيد قدّم كلاً منهما تنازلات باهظة الثمن في سبيل الوصول إلى هذا التماس الموّحد، ولكن من دفع المزيد من التنازلات، ومن هو المستفيد الأكبر منها؟ الشعر أم النثر؟؟...
إن أية قراءة موجزة في التاريخ الأدبي خصوصاً مسيرة الأجناس الأدبية وواقعها تفتح لنا أفقاً تصورياً واضحاً لحدود وطبيعة هذهِ الأجناس ومواقعها الجغرافية الملتصقة جداً ولكن غير المداخلة بحرية كاملة مع بعضها حتى وإن اشتركت في بعض السمات الشكلية لكنها تظل محتفظة بكيان بنيوي خاص يُميّزها عن غيرها، وكان النقد الأدبي يلعب درواً حاسماً لكونهِ الحاكم الفاصل لهذهِ الأجناس والمُصنّف
الأساسي لهوياتها الأدبية، وساعد دعاة كل جنس (من يكتبون فيهِ أو من نقاده) في تعزيز ورسم اختلافات معاكسة لغيرهِ من الأجناس تفصلهُ وترفع من شأنه عنها، وشهدت الساحة الأدبية التمايز الحاد لأصحاب كلٍ من الشعر والنثر إلى الدرجة التي جعلت منهما نقيضين لايجتمعان، ومتوزايين يستحيل التقائهما، فعمّقت من هوة اتصالهما وعزلت بعضهما عن بعض بتبريرات أيديولوجية وأسلوبية وشكلية وعاطفية، وقدّموا جداول إحصائية تُعيّن نقاط الاختلاف الغالبة على نقاط التشابه القليلة بينهما، وكثرت محاولات الفصل والتمييز العنصري بينهما باختلاف زوايا تناولهم للموضوع والنظر إلى كل جانب برؤية محددة، فمنظور التواصل والتلقي يرى أن الفرق بين الشعر والنثر يكمن في أن لغة النثر تثير وتكيّف نشاط المتلقي، أما لغة الشعر فتهدئ وتوّقف هذا النشاط(1)، ويرى المنظور الخارجي الآخر أن مصدر لغة النثر هي العقل، والعاطفة هي لغة الشعر، فالنثر ينقل الأفكار أما الشعر فيتصدى للمشاعر(2)، فريفردي يقول: "الشاعر يفكر بأجزاء منفصلة وصور يشكلها التجاور، أما الناثر فهو يُعبر عن نفسهِ ويطور سلسلة من الأفكار الموجودة فيهِ، إنهُ ينشر والشاعر يقرب"(3)، ولهذا الأمر أشار من قبل الفيلسوف الفرنسي فولتير مُقترباً إلى الطبيعة الداخلية لكل من هذين الجنسين مركزاً على الصياغة الصورية المنتشية لدى أحدهما والمجدية لدى الآخر قائلاً: "الشعر وقع صورة متألقة مكان الفكرة الطبيعية في النثر"(4)، وتعمّق المنظور الداخلي لدى النقاد برؤيا أكثر تحديداً تتعلق بالتقنية الشكلية والأسلوبية لكلا الجنسين معتبرين أن الشعر يتميّز شكلياً أكثر من النثر لكونهِ تركيبياً لا تحليلياً كما هو حال النثر(5) الذي تمتاز عبارتهُ بالاقتصاد والقصدية المباشرة وجملهُ تقريرية، فحتى جاكوبسون يؤكد أن الشعر يتمحور على الاستعارة كتقنية أسلوبية بينما يتخصص الأسلوب النثري بالكناية(6)، كل هذهِ المحاولات الساعية إلى زرع المسافات الشاسعة بين الشعر والنثر تصبح في كفة إزاء كفة أخرى تعاملت معهما إن لم نقل بروح الحياد فبدوافع الرؤيا المستقبلية لآفاق إقامة علاقة مشتركة تعاونية وموّحدة بينهما، هذهِ الكفة التي تكلّلت جهودها بالإثمار تفتح لنا عودة متواضعة إلى تضاريس التاريخ الأدبي المدى الذي يتيح لنا تتبع مساراتها وتطوّر تصوراتها النقدية، فقد لاحظ أرسطو أنهُ من الممكن أن يتوافر للنثر إيقاعٌ مشابه للإيقاع الشعري، ففتح المجال لمقاربة أسلوبية ضمن حدود شكلية متعارف عليها لم يجرؤ أحد على تجاوزها، حتى إنهُ فصل النظم عن الشعر داخل الأطر التقليدية للشعر نفسه، معتبراً أن كل نظم يخلو من ثلاثة عناصر أساسية لايدخل في نطاق الشعر والتي اعتبرها الركائز الأساسية في بنية الشعر وهي: 1-الإيحاء. 2-التعبير. 3-التصوير(7). وفي انتقالة تاريخية وحضارية من الإغريق إلى العرب نجد أن المؤشرات تنطلق صوب الوقائع الأدبية في العصور المبكرة من الأدب العربي التي تجلّت في الاحتواءات النظمية للنثر العربي بإقامة شبكة المنظومات الشعرية للعلوم وقواعد اللغة وأسس البلاغة والنحو وقصص كليلة ودمنة وغيرها، أوضحت لنا مدى التداخل والتعاشق بين الشعر والنثر العربيين، غير أن مؤسسة النقد العربي لم تكرّس جهودها في هذا الاتجاه بل اعتبرتهُ من باب /علم الشعراء وشعر العلماء/(8) "، وكان قد حدث ماهو أهم فقد قفزت ضروب التخيل والمجاز من حصنهما المقدّس (الشعر) وسقطا في أحضان الرسائل والخطابة فأصبحتا على مقربة من الشعر لايفرقها عنهُ سوى الوزن، وقد كان هذا الأخير هو الحد الفاصل بين الشعر والنثر عند العرب(9)، بالرغم من أن النثر العربي كان مقتصراً في أغلبهِ في الإدارة والدواوين والترجمة(10)، فأهلمهُ النقد العربي على مستوى التنظير والاهتمام مثلما حظي بهما الشعر، حتى جاء حامل لوائه والصوت المدافع عنه والمُعلي من شأنهِ وقيمتهِ (أبو حيان التوحيدي) الذي مهّد تنظيرياً كما أرى لاختصار
المسافات بل وإلغائها تقريباً بين الشعر والنثر في مقولتهِ: "أحسن الكلام ماقامت صورتهُ بين نظم كأنهُ نثر ونثر كأنهُ نظم" (11): فقد كشفت عن محور التمفصل ونقطة التشارك بينهما وهو الصياغة الصورية، مع احتفاظ كل منهما بشكلهِ التقليدي، وفي مسيرة الأدب الأوربي يرى ناقد غربي أن القرن السابع عشر يشكل مرحلةِ انتقالية وانعطافية في الاتجاه الشعري الذي أخذ يقترب من النثر(12)، على عكس ماكان عليه الحال بالنسبة للنثر العربي الذي قام بدور فعال في طموحهِ إلى الاقتراب من الشعر والصعود والارتقاء إليه، فالبنية الحركية لكلا الشعر والنثر في تاريخين وحضارتين متباعدتين بين الأدب العربي والأدب الأوربي تسير في الترسيمة الآتية:

الشعر/ الأوربي الشعر/العربي

النثر النثر
حيث الحركة الشكلية والتقنية في الأدب الأوربي من الأعلى إلى الأسفل بينما هي في الثانية من أسفل إلى أعلى، وبعد قرنٍ تالٍ تأكدت حرية الشعر في التعامل مع نفسه ومع النثر تحديداً منذ عام 1886 كما ترى سوزان بيرنار مُعلنةً تخلَّص الشعر من شكل ثابت يرتبط بهِ(13)، وبالذات الشعر الفرنسي حيث دعا بيرس وآخرون معهُ إلى ضرورة دمج الوسائل التقنية والشكلية لكل من الشعر والنثر مع بعضهما البعض(14)، وطالب أصحاب المدرسة الرمزية بردم الفجوة الشكلية بين النثر والشعر لأنهُ كما يعتقدون أن الاختلاف بينهما هو في الدرجة لا في الطبيعة(15)، غير أن أبرز ممثليهم مورياس كان يرى أن "النثر يتطور في اتجاه مماثل لاتجاه الشعر" (16)، معيداً ذاكرتنا القرائية إلى الترسيمة السابقة التي عكست مسيرة الشعر الأوربي ودوره لأكثر فعالية من النثر في مسألة المقاربة الشكلية بينهما، ومُدلّلاً لنا بصورة أكثر وضوحاً إلى المبادرات المتبادلة من كلا الجانبين في الوصول إلى نتائج أكثر إثماراً بسبب اتصالهما وتمازج طبيعتهما مع بعض، وقد بدأ مؤخراً لدى الكثير من النقاد الغربيين أن المؤشر الأدبي يميل لصالح النثر لأسباب خارجية وليست تقنية، حيث يعتبرونهُ الشكل الملائم حالياً لفهم الحياة اليومية واستيعاب اضطراباتها، ولكونه كذلك فهو الأسلوب المُستعمل في اللغة المحكية اليومية(17)، وكأنهُ لغة العصر، إلى الدرجة التي تساءل فيها بعض النقاد بقلق بالغ مُستفِهماً ومُشكّكاً بتشاؤم: "ماهو مستقبل شعر تستحوذ عليهِ الفوضوية ويهيمن عليه النثر أكثر فأكثر" (18)، إن هذا الممكن الشكلي والتجريبي بين الأجناس الأدبية بين الشعر والنثر وقبول كل منهما لمشابهة الآخر، هيّأ لولادة قصيدة النثر باعتبارها كما تقول بيرنار "أول طابع للتمرد على القوانين القائمة والطغيان الشكلي"(19)، وليس فقط كما قالت فهي نتاج إلغاء الحدود والفواصل الموروثة من الأشكال التقليدية، وهي بقدر كونها تمرداً فإنها كتابة جديدة أكثر حرية وذات أفق أكثر سعة في احتضان تجارب غير مقيدة تحوز لنفسها أكبر قدر من التعبير والممارسة والتكنيك، وليست قصيدة النثر خاتمة المطاف لمسيرة النثر بل ذروة اتصالهما، ولم تستنفد بعد تجاربها وممارستها لإرساء أشكال أكثر تطوراً ورُقياً في مسيرتها الجديدة. إن استنتاجاً أولياً لعرضنا الآنف يكشف عن قائمة حساب بقيمة التنازلات التي تعرّض لها أحد الطرفين أكثر من زميلهِ، والمكاسب التي حظي بها بالمقابل واحدٌ منهما دون الآخر، ولكن بدون الدخول في تفصيلات رياضية وإحصائية، نجد أن المستفيد الأكبر من هذا
الاتصال هو النثر، لأنهُ على الأقل لم يخسر أعشار ماقدّمهُ الشعر من تنازلات كبيرة على مستوى الشكل والبنية، لصالح هذا الزواج الأدبي، قدّم قافيتهُ على طبق من ذهب ثم شكلهُ الشطري وأخيراً تخلى عن عموده الفقري (الوزن)، فما الذي خسرهُ الثر؟ وتنازل عنهُ من ممتلكاتهِ الخاصة؟؟، إنهُ الرابح الأكبر من هذهِ الصفقة، لكن الشعر لم يكن ذليل هذا الزواج والمُفلس المسكين بل بدونهِ لم يكن ليتم عقد كهذا، بل ليس لهُ طعم وقيمة ومستوى أدبي بدونهِ، لنقل إن النثر لوحة فارغة أو مشوّهة يملأها الشعر بُعداً جمالياً لاغنى عنهُ، إن وجوده ضرورة جمالية، وتخلّصهُ من أغلالهِ وقيوده الشكلية منحتهُ حرية أوسع في الطيران والتحليق إلى أبعد المديات وأقصاها في التعبير والصياغة واكتساب أشكالٍ غير مطروقة سابقاً، فكانت قصيدة النثر إطاراً شفافاً وعنواناً وتجسيداً لهذهِ الحرية....
(2).... ركزت القصيدة العربية الكلاسيكية على مفاهيم شكلية صارمة تمحورت في عناصر بنيتها الكلية، فعلى مستوى النظم تمثلت في وحدتهِ الموسيقية وهي الوزن مشددة على التقيد بهِ، وفي ختام وحدتهِ الإيقاعية وهي القافية مناديةً بعدم الخروج عليها، وعلى المستوى الكتابي تأطرت بنظام الشطرين وحرصت على أن يكون هو شكلها الثابت الذي يجب أن لايتغيّر، وقد ساعد إلقاء البيت الشعري المُجزّأ إلى وحدتين إيقاعيتين شفاهاً على إرساء هذا الشكل التقليدي، وفي الترسيمة التالية نرى التركيب الطبقي الأفقي والعمودي لبنية البيت الشعري العربي :
البيت الشعري

صدر عجز

وزن (تفعيلات) وزن (تفعيلات+قافية)

ويمثل الصدر والعجز نصفا البيت الشعري، حيث يتسق الوزن في الصدر مع نفسهِ مولداً إيقاعاً أولياً واستفتاحياً يتجه إلى العجز ليكمل إيقاعيتهُ العروضية متكرراً ولكن مربوطاً بخاتمة تتجه إلى التالي باستمرار وهي القافية لتكمل بناء القصيدة، فبناء القصيدة ومعماريتها يبدأ من رأسها من قمة هرمها (البيت الأول) ثم يكمل عضويتها مُستتبعاً إلى أسفل إلى نهاية قاعدتها (البيت الأخير)، وهذا هو قانون البنية الحركية لبيت الشعر العربي، بالرغم من أن النقد العربي الكلاسيكي كان يركز على جوهري الوزن والقافية في الشعر كبنية أسلوبية وليس على الشكل الشطري أو العمودي لأن الشعر العربي كان شعراً إنشادياً وليس كتابياً، فلو أنه كتب بشكل آخر مثل أن يكون العجز تحت الصدر في كتابة البيت الشعري كما درج عليه الشعر الحر لما كان هناك فرقاً خطيراً وأهمية يثار حولها جدل واسع، وقد توّلى النقد العربي مهمة المُرّبي الصارم والمُعلّم الدقيق لكيان الشعر وأحواله، إلى الدرجة التي تحوّل فيها إلى مؤسسة تخصصّتْ تقريباً بالشعر وسنّت قوانين وأنظمة أخلاقية شديدة الطابع كلها تتعلق بالعملية الشعرية وفروعها الشكلية والموضوعية، كالابتعاد عن حوشي الكلام والاهتمام وحسن المعنى وسلاسة اللفظ وجودة السبك وغيرها من القيود الصارمة، فضّيّق الخناق على الشعر وحُوصِر بحدود معيارية رسمتْ لهُ أنفاقاً أصبح من العسير عليه الخروج منها سالماً، ولم يكتفِ النقد العربي بتشريع هذهِ القوانين لتصبح أحكاماً نقدية ترفع
من شأن الشعر وتؤسس لهُ جمالية خاصة بتأليفهِ، بل حوّل هذهِ القوانين وغيرها من الإرشادات إلى تعاليم وطرق يتعين على من يرغب في قرض الشعر اتباعها، فحوّل الشعر إلى حرفة وصنعة أدبية حتى وإن كانت مكلفة وصعبة في شق طريقها إلا أنها اتجهت بالشعر إلى منحى شكلي جاف فاقمَ من مستوى الوزن على حساب الصورة، وجعل من الشعر عملية مرتبطة بصياغات حِرفية أكثر مما هي إبداعية، فتسلّلت روح الشعر الشفافة من كثير من أبيات الشعر العربي تاركة إيْاها تتصف بطابع النظم فقط ولا تمتلك ميزات الجمالية الشعرية، وكثير من المحدثين يرون أن "العروض أساء إلى شعرنا بتقديمه الوزن على الشعر وجعل منهُ صناعة فانصرفت أكثر المواهب إلى قرض الشعر وأصبحنا نتراسل نظماً ونتصافح نظماً ونزوج أولادنا نظماً ونستقبل أصدقاءنا نظماً ونودعهم نظماً"(20)، وفي الجانب الغربي نادى الناقد "فنيلون" عام 1714 بضرورة "الفصل بين الشعر ومن نظم الشعر"(21)، إن هذا التضخيم في البُعد الموسيقي للشعر العربي والطغيان الحسي السماعي لهُ ولّد ظاهرة عروضية متفاوتة ولكن لها تأثيرها المعاكس على الصحة اللغوية للنحو العربي وهي الضرورة الشعرية التي عرّفها د.محمد فتوح بدقة: "تغليب للنظام الإيقاعي على النظام اللغوي (دلالة أو قاعدة) خشية الانحراف بالإيقاع إلى مايخرج بهِ عن إطار الاستجابة العامة للمتلقي"(22)، إنها أيضاً تحافظ على النسق الوزني على حساب النظام النحوي، وهي كما نرى يشير مصطلحها إلى دلالة أن الشعر يتفوق على اللغة ويُخضعها لطبولهِ الإيقاعية، بينما النظم بتردداتهِ النغمية هو الذي يكسر قواعد اللغة ويفرض عليها تغييراً هارمونياً ينسجم وينسحب مع توافقاتهِ، وظل النقد العربي على مدى طويل يسجن الشعر خلف قضبان الوزن والقافية، مُجمِعاً على تعريفهِ تقريباً بأنهُ كلام موزون ومقفى، وكأن الوزن والقافية هما جوهريهِ الأساسيين وبدونهما يغدو جنساً أدبياً آخر، غير أن بعض الأصوات خرجت عن ملأ النقد كالفيلسوف الفارابي تأثراً بالفلسفة اليونانية خصوصاً فلسفة أرسطو الذي كان يعتبر الشعر ليس وزناً وقافية وإنما أيضاً تخييلاً ومحاكاة، فهوّن الفارابي من قيمة الوزن رغم ضرورتهِ للشعر كما يرى ولكن ليس قياساً لمسألة المحاكاة التي عدّها قوام الشعر، والمحاكاة هي "الصياغة الجمالية الخاصة والمؤثرة للغة في الشعر"(23)، بينما ركّز ابن سينا على التخييل في تعريفه للشعر وتبعهُ القرطاجني في ذلك، هذا ماحدّدتهُ الفلسفة العربية من أُطر لتعريف الشعر، بينما تزعّم الجاحظ صوت النقد العربي المغاير مُسقطاً الوزن والقافية من تعريفه للشعر بقولهِ أن "الشعر صياغة وضرب من التصوير"(24)، وكان بعض النقاد على ضوء هذا يرون أن "الإيحاء والتصوير إذا انعدما في القصيدة صارت نظماً وفقدت روح الشعر وإنهما قد يوجدان في بعض فقرات النثر فتكون لهُ صنعة الشعر"(25)، إن احتكار الوزن والقافية للشعر الذي عانى منهما كثيراً لم يدم طويلاً، فهذا التكثيف العروضي ولّد خطاً معارضاً لهُ يطالب بحرية أكبر للشاعر تخلّصهُ ولو جزئياً من بعض القيود الشكلية التي أصبحت رتيبة الإيقاع والسماع ربما لتعوّد الأذن العربية والذائقة الفردية والجماعية عليها، وازدياد الرغبة في التجديد والتغيير والخروج على المُتّبع والسائد، ولم ينحصر هذا الأمر أو تتفرد بهِ الساحة الأدبية العربية فقط، ففضاء الأدب الغربي شهد سلسلة تغيرات، فهوغو أطلق بيان حرية الشعراء قائلاً: "سواء أكتب الشاعر شعراً أم نثراً فهو حر"(26)، ولم يكن هو السبّاق الأول لفتح الباب على مصراعيهِ أمام حرية التجريب والكتابة دون التقيّد بجنس أدبي معيّن، ورأى ستندال أن "وزن الشعر يحول دون استخدام الكلمة المحددة والتعبير المناسب"(27)، داعياً إلى التخلص من الوزن في الكتابة الشعرية فاسحاً المجال للتقارب الأسلوبي بين الشعر والنثر، وقبل هذين الروائيين الشاعرين هاجم فنيلون في القرن الثامن عشر حصن الشعر الآخر
(القافية): "نظمنا للشعر بالقافية يُخسِر أكثر مما يُربح: إنهُ يُخسِر كثيراً من التنوع والسهولة والتجانس"(28)، وتوالت الضربات تركيزاً على القافية، فالأب بريفو وضّح أن القافية غير جوهرية في الشعر بدليل نجاح بعض الترجمات المكتوبة بالنثر الشعري دون اللجوء إلى القافية وفيها مفاتن جمالية كثيرة(29)، وكانت الترجمة قد لعبت دوراً كبيراً في تبيان أن الوزن والقافية ليسا هما كل شيء في القصيدة وأن "اختيار الموضوع والغنائية والصور" ومايسميه ادغار آلان بو (وحدة الانطباع) هما "عناصر قادرة على إثارة الصدمة الشعرية الخفية"(30)، وأن كان بعض النقاد قد حاول عزل الشعر المترجم مُصطلِحاً إياه بشعر الترجمة الذي لهُ خصوصية النقل من لغة إلى أخرى ومايستتبع ذلك من متغيرات كثيرة لاتتطابق مع النصوص الأصلية، لقد "أسقط حذف القافية حاجزاً آخر بين الشعر والنثر" كما ترى بيرنار، والتي ترى أيضاً بتوضيح أكثر "أن الشاعر يرفض وسائل الرقي الآلية جداً للشعر الموزون المقفى ويطلب مفاتن أكثر دقة من الكلمات نفسها ومن التوافقات السرية بين الصوت والمعنى وبين الفكرة والإيقاع وبين التجربة الشعرية واللغة التي تترجمها"(31)، وشهد التاريخ الأدبي محاولات محدودة في تغيير بعض الأطر الشكلية بالنسبة للقافية والوزن، فمنها من سعت إلى نفي القافية والإبقاء على الوزن في العملية الشعرية ومنها من فعلت العكس، لكن أياً منهما لم يقم بما فعلتهُ قصيدة النثر الحديثة من الغاء كلا العنصرين من وجودها الشعري، الذي كان بهما يُميّز الشعر عن النثر قديماً، وكان هذا التفريق "شكلياً لايبين عن روح الشعر ولهذا تحدّثوا عن الشعر المنثور كأنهم أقرّوا بأن روح الشعر قد توجد حيث لا نظم"(32)، وقد كانت الأناشيد الرومانية غالباً مقطوعات نثرية مقفاة فقط "ذات جمل متساوية وجناس صوتي، وكانت قصائد لوكيليوس المعروفة باسم (الساتوراي) أقرب ماتكون إلى النثر حتى أن الشاعر نفسهُ سمّاها فيما بعد بـ (الأحاديث)"(33)، وفي شعرنا المعاصر حاول عبد الرحمن شكري والزهاوي وغيرهم التخلص من القافية مُبقين على الوزن في كتاباتهم الشعرية أو فيم أسموه بالشعر المرسل، وضمنهُ تندرج محاولات "المهجريين والديوانيين والأبوللونيين في تطويع القالب الشعري وتليين أوزانه"(34)، وجاء الشعر الحر أو شعر التفعيلة كما يصطلحهُ البعض على أيدي السياب ومعاصريه ومعهم نازك الملائكة التي تلخّص الفلسفة الفنية للطريقة الجديدة للشعر الحر: "إنها تحرر الشاعر من عبودية الشطرين، فالبيت ذو التفاعيل الستة الثابتة يضطر الشاعر إلى أن يختم الكلام عند التفعيلة السادسة الثابتة وإن كان المعنى الذي يريدهُ قد انتهى عند التفعيلة الرابعة بينما يمكّنهُ الأسلوب الجديد من الوقوف حيث يشاء"(35)، والبنية الحركية لبيت الشعر الحر لاتنقسم إلى صدر وعجز ولا يختم عجزه بقافية موحدة ومتسلسلة فهو إن احتوى على قافية فهي متغيرة غير ثابتة، بل يعتمد البيت على جملة أو جُمل شعرية تتسق ضمن إيقاع تفعيلة معينة، ولم تنتهِ مسيرة تطور وتغير الشكل الشعري أو صراع الحرية والعبودية في الشعر إلى حدود الشعر الحر، فعلى يدي جبران خليل جبران وأبي شبكة تطور النثر الشعري متأثرين بقصائد بودلير النثرية وبرامبو، واصطلحوا على تسميتهِ بقصيدة النثر، التي لازال الكثير من النقاد والشعراء أنفسهم يرون أن هذا المصطلح يحمل تناقضات عديدة، ومن الخطأ استعمالهُ لوصف أشكال شعرية كهذهِ(36)، ووصل الحد في الرغبة إلى التغيير والتطلع إلى تجريب أنواع مغايرة ومختلفة حتى عن الأشكال الحديثة وليس التقليدية القديمة حد التطرف والشذوذ في بعض تجارب التيارات الحديثة كالدادائية فزعيمها تزارا ابتكر طريقة مستحدثة في كتابة قصيدة شعرية عن طريق "قطع كلمات من صحيفة ما وخلطها مع بعضها في كيس ثم إخراجها وترتيبها بعشوائية، وانتشر في فترتهِ مايُسمى بالشعر الملتقط و "تكرار الديباجات والعبارات
المبتذلة المستلة من الصحف والأحاديث العرضية والكتابة الآلية أي تفريغ محتويات الدماغ في الكتابة دونما تفكير مسبق أو قيود من أجل تبيان أنها تسهم في تفاهة الواقع"(37)، وربما ساهم التخلص من الوزن والقافية وتوفر قدر أكبر من الحرية لدى الشاعر بولادة سلوكات شاذة كهذه لم تستطع أن تؤسس لنفسها أبسط معايير الجمالية النقدية والشعرية على الأقل، وتجدر الإشارة إنه حتى بالنسبة لشعراء القرن العشرين الأكثر التزاماً بوحدة الإيقاع الشعري ونظمهِ فإن الرغبة في التغيير والخروج على المألوف قد طالت كتاباتهم ومنهم إليوت الذي دشّن 75 بيتاً من بين الـ 434 بيتاً من قصيدتهِ الطويلة (الأرض اليباب) في مداخلات شكلية متفرقة منها "اقتباس وترجمة ومحاكاة تهكمية و40 بيتاً منها مونولوجات مسرحية تلقى بصوت غير صوت الشاعر وبقية قصيدته مليئة بالإلماعات ذات المغزى"، أما زميلهُ باوند فلم ينح بعيداً عنهُ في قصيدة طويلة أيضاً لهُ (موبولي) حوالي 450 بيتاً، 60 منها اقتباسات أو ترجمات أو إلماعات لأعمال لاتينية وإغريقية وفرنسية إلى جانب الإنجليزية"(38)، لقد جعلوا من قصائدهم أشبه برقعة شطرنج ملأوا مربعاتها بأنماط شكلية مختلفة وظّفوها في لغة شعرية موّحدة،... لم تأخذ هذهِ المتغيرات في بنية الشعر والنثر على السواء خطاً مستقيماً في ولادتها وتأسيس أولى خطواتها، فمن الملاحظ من خلال القراءة التاريخية لنسق هذهِ المتغيرات في بنيتي الأدب العربي والغربي تحديداً، وحصراً لثلاثة أقطاب شكلية أخذت أهميتها ومركزيتها في لوحة التاريخ الأدبي والشعري خاصة من سلسلة هذهِ المتغيرات بغض النظر عن الدخول في معمعة جدلية حول سلامة مصطلحاتها والإجماع عليها، بل نتعامل مع ماشاع من تسمياتها وهي: 1- الشعر العمودي /الموزون والمقفى/. 2-الشعر الحر. 3-قصيدة النثر، فنسق هذهِ الأنماط الشكلية في بنية الشعر العربي تسير بالشكل التالي:
شعر عمودي شعر حر قصيدة نثر
أو بالمتوالية العددية التالية: 1- شعر عمودي. 2-شعر حر. 3- قصيدة نثر.
بينما يتغير هذا النسق في بنية الشعر الغربي بتغيير المواقع كالآتي:
شعر موزون ومقفى قصيدة نثر شعر حر.
أو حسابياً كسابقتها: 1- شعر موزون ومقفى. 2-قصيدة نثر. 3-شعر حر.
هذا التغيير في مستويات ومواقع هذهِ الأنماط الشعرية على خارطة التاريخ الأدبي لم تأخذ أسبقيتها النوعية في بنية عن أخرى إلا انعكاساً دلالياً لدوافع التغيير والنزعة إلى الخروج على الأنماط الموروثة، ويبدو أن الرغبة في التجديد والبحث والتجريب عن أشكال أكثر حرية كانت على أشدّها اندفاعاً في مسيرة الأدب الغربي الذي سبقت قصيدة النثر فيهِ الشعر الحر، بينما تأخرت عنهُ في الأدب العربي لا لتدل على بطء مسيرتهِ التطورية بل لأنها انتهجت خطاً موزوناً في التغيير على مراحل متدرجة من إلغاء للقافية في الشعر الحر ثم إلغاء الوزن والقافية في قصيدة النثر، ولكن على صعيد الأدب الغربي لايعني أن الشعر الحر أمسك بزمام الأمور: فقصيدة النثر عادت بعدهُ للظهور وفسحت لنفسها مجالاً لمحاولات أكثر تطوراً ورُقيّاً من بداية نشوئها، غير مُلغيةً الشعر الحر، وعموماً إن ظهور أي نمط شعري مغاير ومختلف أو مضاد لسابقهِ لايعني الغاءه أو محاولة دفنهِ في متاحف تاريخية أو تحويلهِ إلى إرث، فساحتنا الأدبية تشهد إبداعات مختلفة في هذهِ الأنماط التي تتعايش مع بعضها، لأنها استطاعت أن تثّبت أقدامها في مسيرة التاريخ الأدبي، وتنتهج أشكالاً خاصة بما تتفرد بها عن غيرها، والإبداع الأدبي الأصيل لايحتكره نمط
واحد، والجمالية الشعرية لاتقتصر على شكل معين...
(3).... إن مسيرة تطور قوالب وأشكال الأنماط الشعرية بالصورة التي اتخذتها في تاريخ الأدب العربي خاصةً أي بانتقالها من الشعر العمودي إلى الحر ثم إلى قصيدة النثر تباعاً، تتيح لنا تأويلاً نقدياً لسيرورة العمل الشعري التي تحدث في كل منها، أي أثناء ولادة وإنتاج قصائد كل من هذهِ الأنماط، وتنحصر هذهِ السيرورة بين قطبين أساسيين في إنتاج العمل الشعري هما: الشاعر واللغة، وأقصد مظاهر وتجليات الوسائل التقنية /الفنية/ لكل منهما في فضاء النص الشعري /القصيدة/ مهما كان شكلها، ولتحديد القصد في الإشارة والتوضيح لطبيعة كل من الشاعر واللغة كمساهمَين أساسيّين في ولادة العملية الشعرية، فقد عمدتُ إلى فرز العناصر الفنية التي تقترب أو يمكن نسبها إلى كل منهما ابتداءً من القصيدة العمودية وانتهاءً بقصيدة النثر المعاصرة، فالقصيدة العمودية تتميز بالقيود والأنظمة التالية: 1- الوزن. 2-القافية. 3-الصياغة، ثم جاءت قصيدة الشعر الحر فتخلّصت من واحدة من هذهِ القيود وهي القافية، فظلّ كل من الوزن والصياغة، وأخيراً جاءت قصيدة النثر لتلغي آخر القيود وأثقلها وهو الوزن، فبقيت الصياغة وحدها هي المهيمنة في إنتاج القصيدة وفي تشكيل العمل الشعري، وماهي الصياغة؟ إنها المقدرة الفنية والأسلوبية التي تميّز وتختص بشاعر دون غيره، وتعكس مستواه الأدبي في التعبير والتكوين الصوري، وتصبح مؤشراً دلالياً على إبداعيهِ، إنها التجلّي الذي يُجسّد صوت الشاعر في بنية النص الشعري ونسيجهِ، أما الوزن والقافية فيمكننا افتراضهما تجليات وتمظهرات مُقنّنة تجسّد صوت اللغة أو هيمنتها الشكلية في بنية القصيدة، فالوزن ليس وحدة موسيقية فقط أو مجموعة من التفعيلات العروضية التي تنتظم في نسق إيقاعي معيّن: إنهُ يستمد تركيباته وطبيعته هذهِ من الخصائص الموسيقية للغة ومن جرس الألفاظ والكلمات والسياقات النبرية، كذلك القافية التي تستند استناداً على مرجعية بنية المعجم اللغوي، وعلى التشجيرات اللغوية التي تتفرع إلى مرادفات تجاورية وتماثلية على مستوى الكلمات والحروف والألفاظ والمعاني، فاللغة تسجّل حضورها بكثافة في هذهِ النظم الشكلية، وقد كان الشاعر العمودي يتصارع من أجل إعلاء صوته على صوت اللغة أو يوّحدهُ معها، فقد كان عليهِ أن يُلبس صياغتهُ ثوبي الوزن والقافية، وكان صوت اللغة في أحيان كثيرة هو المرتفع على صوت الشاعر وهو مايتمثّل في قصائد لاتمتلك من الشعر سوى شكله النظمي، فطغيان الوزن والقافية دفع بالشعر العربي الكلاسيكي إلى النظم في بعض مستوياته بل إلى انتهاجهِ في ماسُمّي بالشعر التعليمي وفي ظاهرة الأرجوزات، هذهِ القيود اللغوية التي كانت أشبه بسكك حديد مرسومة على أرض القصيدة يجب على الشاعر أن يُسّير قطارهُ عليها، كانت تحد من حرية الشاعر في التعبير المفتوح وتخلق من الصعوبة الفنية بإمكان أن يتوفر لدى الشاعر العمودي قدرة بارعة في إبداع الصياغة الشعرية ومزاوجتها مع هذهِ الأشكال وتوليد انسجام وتناغم تعبيري وموسيقي في ذات الوقت، هذا لايعني أن الشعر العربي القديم كان يُعاني من فقر إبداعي في مستوى تقييم الشعراء ونتاجاتهم، فسجلّهُ قد حفل بأسماء لامعة لم يخب بريقها حتى عصرنا هذا، وكثرة هذهِ الأسماء في مسيرة شعرنا الكلاسيكي لاتدل على سهولة الكتابة بالشعر العمودي رغم قيودهِ النظمية، فقد كان شيوع الشعر في اللسان العربي أشبه باللغة اليومية المتداولة كثيراً مما وطّن الأذن العربية على السماع الإيقاعي والموسيقي المتواصل وخلق مناخاً نظمياً تعوّدت عليه مظاهر التواصل والتلقي الاجتماعية لدى العرب، فتغلغل الشعر في أمور كثيرة تستحق ولا تستحق في الحياة اليومية، وهذا ما يعاب عليه لأن موضوعات المدح والذم والهجاء والرثاء والمفاخرة وغيرها من المواضيع الاجتماعية الأخرى التي توزّع بينها أغلب الشعر القديم
جرفتهُ بعيداً عن مستوى التعبير الفني الراقي ورسفتهُ في قيود النظم والتعبير المباشر، رغم أن شعراء مقتدرين استطاعوا برغم انجرافهم وراء هذهِ المواضيع أن يصلوا بالتعبير الشعري إلى مستوى إبداعي في التكوين الصوري، فهذهِ المواضيع تأسر الشعر في وحدة موضوعية مفردة ولا تطلقهُ في فضاء التعبيرات المتعددة، وهذا ما جعل الشاعر العمودي لايفكر في كينونة الشعر وجوهره ولم يعتبره غاية في ذاتهِ كما هو عليهِ الآن في فكر الشاعر المعاصر، بل اعتبره مجرد وسيلة بلاغية تخدمهُ في غرض مايجلب لهُ نفعاً مادياً أو معنوياً، ومانريد توضيحهُ من وراء هذهِ المطارحات هو أن الشاعر العمودي كان يجد عراقيل الوزن، والقافية حاضرة أمامهُ في كل قصيدة تقرضها قريحتهُ الشعرية، ورغم تشبعهِ بهذهِ الإيقاعات فعليهِ أن يوظف تعبيراتهِ وصياغتهِ في قوالبها، ولكن عندما جاء الشعر الحر ليُليّن من صرامة القافية ويتخلص من نظام الشطرين العمودي إلى نظام أخف وطأة هو نظام التفعيلة بإيقاعهِ الجديد تنفّس الشاعر قليلاً من الحرية في التعبير وامتدّت أمام صياغتهِ مساحة إضافية محدودة القيود والعراقيل، وجدنا أن صوت الشاعر الحر يعلو قليلاً فوق صوت اللغة الذي فقد جزءً من هيمنتهِ الشكلية السابقة، لذا تعدّدت وتنوّعت أشكال التعبير في تقنيات قصائد الشعر الحر عن سابقتها القصيدة العمودية، فتناولت الأسطورة والتجارب الذاتية للشاعر بمختلف حيثياتها وهجرت المظاهر الاجتماعية السابقة التي تداولتها القصيدة العمودية، فامتلكت قصيدة الشعر الحر بُعداً غنائياً واضحاً والتفتت قليلاً إلى الشعر ليس اهتماماً بجوهرهِ، بل أرادت لهُ السفر والدخول في أصقاع وعوالم جديدة لم يطرقها الشعر السابق، ففتحت من آفاق الشعر وأغنت مسيرتهُ التاريخية، غير أن من ساهم أكثر في هذا الأمر وزيادةً عليه وضَعَ في نصب عينيهِ جوهرية الشعر وغائيتهُ هو الشعر الحديث وما يُسمى بقصيدة النثر، التي وجدت نفسها أمام لاشيء من العراقيل والقيود والأنظمة الشكلية من وزن وقافية بعد أطاحت بها من وجودها الشعري، ففتحت لنفسها أبواباً كثيرة للبحث عن شكل خاص غير معمّم لأنها في سيرورتها قامت على دعوى رفض التقيّد بشكل معين أو بشكل عام، هذهِ التجارب قام بها الشاعر الحديث أو مايمكن تسميتهُ بشاعر النثر انتساباً لقصيدتهِ ذات الطابع المزدوج، والذي لم يجد سوى صوتهُ فقط في ساحة إنتاج العمل الشعري، قدرتهُ الشخصية على الصياغة والتعبير، حيث لاصوت للغة ولا لهمينتها الشكلية التي قضى عليها، وهذا ربما ما يُعلّل الاستسهال الحديث في كتابة قصيدة النثر، والانجراف وراء التداعيات أو مايُسمّى بالانثيال الحر للكلمات والتلقائية التعبيرية في الصياغة، مما ولّد نفوراً حديثاً واتهاماً متسرعاً من كثير من الناقدين لمشروعية هذا النمط الجديد من الكتابة الشعرية ومستواه الفني ومدى قدرته على التواصل الإبداعي مستقبلياً كجنس أدبي مستقر يستطيع أن يثبت كفاءتهُ ووجوده، فالمجانية الكتابية وغياب صوتي اللغة (الوزن والقافية) كأشكال نظامية كانت إحدى العوامل الأساسية في خلق الانطباع العام حول الطبيعة الفوضوية والتمردية لقصيدة النثر، بينما على العكس مما نرى إن غياب هذهِ العوامل وتوفّر قدرٍ كبيرٍ جداً من الحرية الكتابية لدى الشاعر يُلقي على أكتافهِ مسؤولية أكبر وإبراز مقدرة إبداعية أقوى من الشاعر العمودي والشاعر الحر، فغياب الأشكال والنظم عليهِ أن يدفع بشاعر النثر الحديث إلى التركيز والاهتمام في صياغتهِ دون أن يرجفهُ إغراء التجارب الجديدة والمُغايرة والسعي وراء حُمى المخالفة إلى الوقوع في مهاوي النص المغلق الذي لايستطيع فك رموزه وأقفالهُ سواه أو ربما لايستطيع هو نفسهُ فكّها، فاللغة الفردية المستغلقة غير قادرة على التواصل، وستصبح مجرد لوحة ممتلئة بصور متداخلة ومُضبّبة لن تُحيل إلى معنى واضح وملموس يرسم دلالتهُ وأثره الإبداعي في مسيرة الأديب. يرى النقاد المعاصرون إن اختفاء النظام الإيقاعي في
قصيدة النثر يدفعها إلى "امتلاك عناصر فنية وجمالية بكثافة تعويضية"(39)، وقد أوجزت بيرنار المبادئ الأساسية لقصيدة النثر في أربعة عناصر هي: "1-الحصر. 2-الإيجاز. 3-شدّة التأثير. 4-الوحدة العضوية"(40)، وهي عناصر تتفاوت في نسب تشكيلاتها حسب التوزيعات الإبداعية لها من الشعراء، واستثمارها وتوظيفها يستند إلى التجارب والقدرات الفنية للشعراء أنفسهم، غير أن دعاة قصيدة النثر والمنحازين لها لازالوا يؤكدون أنها ترفض الانقياد لأي شكل من أشكال التقنين(41)، وترفض كل تحديد مسبق أو الخضوع لمعايير نقدية معينة، كما ينظرون إليها من زاويتين: الأولى ترتبط ببداية انبثاقها التاريخي والظروف التي واكبتها معتبرين أنها "ولدت من تمرد على قوانين علم العروض وعلى القوانين المعتادة للغة"(42)، لذلك فهي ذات مبدأ فوضوي وهدّام كما يفسرون أسباب ولادتها هذهِ، إضافة إلى أسباب أخرى منها "الرغبة في التحرر والانعتاق من التقاليد الشعرية" حيث كان الهم آنذاك في تاريخ الأدب الغربي السابق الولادة قصيدة النثر هو المطالبة بفصل الشعر عن النظم من ناحية ومن ناحية ثانية كانت التوجهات الأدبية تبحث في النثر عن عناصر شعرية جيدة(43)، مما مهّد الأجواء لخلق هذا الجنين الجديد، والزاوية الثانية التي مرّروا من خلالها ملاحظاتهم النقدية ترتبط بطبيعة هذا الكائن الأدبي الجديد وانطباعاتهم التأويلية عنهُ، فقد حكموا عليها بأن كلاً من شكلها وجوهرها مبنيان على اتحاد المتناقضات التالية: 1-نثر وشعر. 2-حرية وقيد. 3-فوضوية مدمرة وفن منظم، وهذهِ فيما بتصورون أسباب توترها وحيويتها الدائميين(44)، وتتوسّع بيرنار في توضيح هذهِ الطبيعة المزدوجة التناقض بدقة قائلة: "يوجد في قصيدة النثر في آن واحد قوة فوضوية مدمرة تميل إلى رفض الأشكال الموجودة، وقوة منظمة تميل إلى وحدة شاعرية، والمصطلح يشير إلى هذهِ الثنائية: فمن يكتب بالنثر يتمرد على القوانين العروضية والأسلوبية، ومن يكتب قصيدة يرمي إلى خلق شكل منظم مغلق على نفسهِ ومنفصل الزمان"(45)، ولم تقتصر إحالتهم السببية لطبيعة وجوهر قصيدة النثر باعتبارها تمرداً على الأنظمة والقوانين الأدبية السابقة، بل اعتبروها طابعاً للتمرد الإنساني بشكل عام الذي اتسمت به العصور الحديثة والذي توجّه إلى ميادين المعرفة كافة ليثور على تقاليدها الشكلية بما يمتلكهُ من قوة خلاقة في التجريب والبحث عن أشكال جديدة، وهذا ماحدى ربما بالناقد الغربي جالو إلى وصف قصيدة النثر بأنها "شيء مضطرب إيحاءاته لانهائية"(46)، كل هذهِ التصورات والرؤى المحتدمة حول قصيدة النثر دفعت بأنصار الأدب الكلاسيكي إلى اعتبار أنها تمثل هجيناً بشعاً من التزاوج اللامقبول بين جنسين مختلفين هما الشعر والنثر كما يرون حيث يعتقدون أنها ليست شعراً خالصاً ولا نثراً محضاً كذلك، وليس لها شكل ثابت(47)، وقد ساهم في هذهِ الانطباعات السلبية كما أشرنا آنفاً بعض المدارس والتيارات والحركات الأدبية المتطرفة مثل الدادائية والمستقبلية التي وجدت في قصيدة النثر مساحة فارغة ملأتها بتجاربها الشاذة التي تفتقر إلى المعايير الجمالية ولاتبالي بالأحكام النقدية، ساعدها في ذلك غياب التنظير المبكر لهذا الجنس الجديد غير المستقر فاستخدمتهُ كوسيلة تجريبية من أجل أهداف غير محددة بل همها الأساس هو التلاعب الذي يستند على آليات وظفوها داخل بنية القصيدة وأكدوا على ممارستها والتركيز عليها أثناء الكتابة مثل: 1- التلقائية. 2-عدم الترابط. 3-التناقض. 4-الفحش. 5-الغموض. 6-التعابير الفوضوية. ، فمارينتي المستقبلي يُزيح عن كاهل الشعراء مسؤولية الوضوح الموضوعي والغائي لقصائدهم قائلاً: "ليس من الضروري أن نكون مفهومين"(48)، فلجأ الشعراء إلى استخدام الرموز وتكثيفها في التعبير وهذا ماقاد جملةً كبيرة من قصائد النثر المعاصرة إلى الغموض، ولعلّ كلا من بودلير ورامبو ومالارميه قد فتحوا الباب مبكراً لهؤلاء الذين
أساْؤا فهم تجاربهم الشعرية في البحث عن لغة إيحائية جديدة وعن الطلاسم الغامضة التي حاولوا أن تصبح هي المؤشرات المكثفة لدلالات أحاسيسهم وحدوساتهم النفسية حين أدركوا أن "المشكلة الشعرية مرتبطة بمشكلة اللغة"(49)، وقد وضع بودلير إصبعهُ على مخاطر هذهِ التجارب المجانية في التعبير، فدعا إلى "عدم الاستسلام للانفعال الوجداني، وإلى مقاومة مايخطر في البال لأول وهلة"(50)، وتساءل ناقد معاصر بحكمة عن المزالق التي تجرّ كثيراً من الشعراء في مخايلها وعن النتائج التي أفرزها الاستسهال في هذهِ الكتابة الحديثة قائلاً: "إذا لم يكن اليوم شيء أصعب من أن يكون المرء شاعر نثر أصيل فربما ليس هناك ماهو أسهل من أن يدّعي المرء كونهُ شاعراً، وينبغي الاعتراف بأن العبث والحلم والخيال قد ولدت كثيراً من الشعراء المزيفين" (51)....
(4).... يعتمد نمو وتطور الأشكال الأدبية إلى حد ليس بالقليل على الظروف الاجتماعية التي نشأت في خضمّها وواكبت سيرورتها التاريخية، إضافة إلى الطاقات الإبداعية الفردية التي تمسك بدفة مسيرة التطور، ليس بعيداً عن الأجواء العامة لمتغيراتها البنيوية والتي تستثمرها عبر مهاراتها الخاصة بالتأثر والتأثير فيها على السواء، فالأشكال الأدبية تمتلك ديمومتها عبر التواصل الاجتماعي والطقوس المتاحة لها، فالأدب القديم كان ينتشر ويؤسس دعائمهُ اعتماداً على الإلقاء والإنشاد ومظاهر الإيصال الأخرى التي تختلف من حضارة إلى غيرها، فالشفاهية التي تحتاج إلى الحضور المباشر للمتلقي كما تخاطب ذاتهُ عبر إذنهِ/سماعهِ، كانت هي السمة التي تطبع الأدب الكلاسيكي متمثلةً بوسائل وطقوس متنوعة تسعى إلى إيصاله وتحقيق غايتهِ التي لاتخرج في النهاية حتى وإن كانت شخصية عن بُعدها الاجتماعي الذي وطّنت حياتها من خلالهِ، فالشعر العربي وصل إلى أقصى درجات الاجتماعية بتهافتهِ وراء أدق تفاصيل اليومي والمعاش، وأصبحت الأذن العربية هي الوسيط المتفرد في قراءة القصائد، فتشبعت بالأنماط الإيقاعية للشعر حتى صارت لغة الشعر هي السائد الكلامي على الشفاه، وهذا الانتشار الاجتماعي الطاغي للشعر العربي لا يُعزى فقط إلى بناء الوزنية والإيقاعية التي تُسِّهل وتساعد على حفظهِ، بل إلى الطبيعة الاجتماعية والفكرية للعصر الذي ولد وترترع فيهِ، وإلى مدى قابليتها على تقبلهِ والطبّع بهِ، فالنثر الذي يخلو من الوزن والإيقاع/ كالنثر الروماني على سبيل الحصر/انتشر وتفوق على الشعر، فقد كانت "نصوص القوانين الرومانية تعلن على الملأ فيحفظونها عن ظهر قلب" كذلك "مهّد فن الخطابة وكتابة الحوليات على يد الكهنة" إلى انتشارهِ في المجتمع الروماني وتداولهِ على ألسنتهم أكثر من الشعر"، ولكن بعدما تطور اتجاه الكتابة وأصبحت هي الفضاء الواسع والرحب لتحليق الأدب فيه بأجنحة تعابيرهِ، وانحسرت مظاهر طقوسه الاجتماعية التي كانت تضعهُ مباشرةً كنص وناص (منتج نص) أمام المتلقي، أصبحت القراءة هي الفعالية المُساهمة في التلقي، والمحور اللامباشر في اللقاء بين النص والمتلقي، وتحوّلت العين إلى نافذة رئيسية لا غنى عنها في الإطلال والتعرف على النصوص، فانتقل الأدب من السماع إلى البصر، من المباشر إلى اللامباشر، من الحضور المزدوج للأدب وأديبهُ إلى حضور أدبهِ وغيابهُ هو، هذا الانتقال جعل الأدب يفكر جيداً بالتكيف مع وضعهِ الجديد واستثمار القدرات المتاحة لهُ عبر هذه الأوساط وسائلاً وغايات، فقطع الإبداع الأدبي شوطاً كبيراً في محيطه الجديد (الكتابة) منتجاً لنفسه ومفكراً بها ومتخلصاً من كثير من الأمور التي كانت قد جعلتهُ يخدم أغراضها ومواضيعها فقط إلى الدرجة التي تناسى فيها نفسهُ وغاياته الذاتية، وساعد في دفع عجلة الأصوات التي نادت بضرورة التحرر من الأشكال والقيود السابقة، بل وحتى الأصوات المتطرفة وعلى رأسها أصحاب نظرية الفن للفن
(وبضمنه الأدب) التي سعت لعزل الأدب عن المجتمع، وكذلك الثورات العلمية في الميادين المعرفية بعد القرن الثامن عشر التي دفعت بالعلوم التجريبية والإنسانية على السواء بالمناداة باستقلال بعضها عن البعض الآخر وخصوصية طبيعة كل منها والمناهج التي تسلكها والمبادئ التي تقوم عليها، كل هذه وغيرها من مسالك التغيير الأخرى دفعت بالأدب إلى الانسلاخ من استلاباته السابقة، فكثّف جهوده التطورية في ميادين الكتابة وآفاقها، وكان من تمخضاته المعاصرة قصيدة النثر، هذا الجنس الذي لايمكن اعتباره بغلاً عقيماً من تزاوج حصان الشعر بحمار النثر إذا جاز التعبير غير المقصود إهانةً وإنما تمثيلاً لواقع بايولوجي معروف حسب مايتصوره البعض اتهاماً لها، وهي ليست كذلك فناً إيكاروسياً مصيره السقوط وإن كانت تشترك مع الفن الايكروسي بالطموح إلى "تجاوز مستحيل للذات" وإلى "رفض شروط وجوده نفسها"(53) كما قرنته بيرنار، إنها كتابة جديدة تحاول امتلاك لغة خاصة قادرة على التعبير بأكبر قدر من الحرية، إنها تريد حرية بلا قيود ولا أشكال، وتريد من اللغة مرونة واسعة تتجاوز معجميتها إلى فضاء الدلالات والمعاني المتعددة، ولكنها حقيقةً رغماً عنها ومهما سعت لنفي الشكل فإنها يصبح لها شكلاً معيناً، لأن حصيلة التجارب الفردية للشعراء ينصهر في بوتقة التأثير المتبادل فتصبح لهُ سمات مشتركة وملامح يمكن تحديدها، هذا على صعيد النتائج التاريخية لمسيرة إفرازات أدبية ذات نطاق مشترك، أما على الصعيد الفني للتجربة الفردية الخاصة نفسها فإن كل كتابة حتى العشوائية والفوضوية منها يصبح لها شكلاً حال اكتمالها، شكلاً هو مجموع أنساق الكلمات وبنية العلاقات بين هذه الأنساق، ويذهب اليوت أبعد من هذا بتأكيده على أن الشكل أيضاً "ينمو في محاولة المرء لقول شيء ما" أي حتى الكلام يكون لهُ شكلاً بعد نطقه، لذا يدعو إلى "تحطيم الشكل وإعادة صياغته" (54) معتبراً أن الشعر يأتي قبل الشكل، أي على الشاعر أن لايفكر في الشكل الذي يريد أن يضع فيه شعره بل أن يتحرر من القيود والقوالب المسبقة فيندمج مع شعره أولاً ويشترك معهُ في علاقة واعية، أما إعادة صياغة الشكل فهي اعتراف بحتمية التكوين الشكلي لأي إنتاج أدبي، وتوجيه للتجربة الفردية على التركيز على الصياغة التعبيرية للشاعر وقدرتها على تكوين شكل ناضج لها يتناسب مع بنيتها التقنية الدلالية، فالشعر ليس كما يعرّفه تودوروف بالرؤيا الكلاسيكية، إسقاط لمحور الاختيار على محور النظم(55)، فيكون النظم هو الشكل الجامد الذي يفرض حضوره على لغة الاختيار (الصياغة التعبيرية للشاعر)، وكان هذا ما يُعاني منهُ الشعر القديم، وقد تلمّس أفلاطون من قبل هذه المعاناة فأعطى تعريفاً للشعر بعيداً عن قيودهِ الشكلية التي هيمنت عليه طويلاً كالوزن والقافية محولاً الشعر إلى روح تحب التحليق والطيران إلى كل مكان قائلاً: "الشعر هذا الشيء الخفيف المجنّح والمقدّس"(56)، لكن الشعراء ظلّوا بلا مكان في جمهوريته الفاضلة، إن الشعر "شيء يُحسّن"(57) كما يدركه بورخس فاسحاً المجال لتذوق الكتابات التي تخرج عن الأشكال المتوارثة والحكم عليها، مُبتعداً في وضعه للشعر عن تقريرية الشكل على لغة الشعر الإيحائية، وابتعد كذلك تزارا عن غيره من الشعراء والنقاد رافضاً تصنيف الشعر كوسيلة تعبيرية كما يرون هم(58)، معتبراً أن اعتبار الشكل كوسيلة بحد ذاته دفن للشعر تحت أُطر قد تكون جميلة ومزركشة لكنها تحجم من الفعالية الحقيقية للشعر الشيء الكثير، إنه يريد من الشعر أن يكون غاية نفسه ولغةً لاتعبر عن شيء غير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

-قصيدة النثر- "صوت الشاعر أم صوت اللغة" عبد الستّار جبر الأسدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة ::  اللغة والنحو والبلاغة والأدب :: منتدى اللغة العربية وأصول الفقه-
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blinklist  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Technorati  

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


فانضموا إليها

Computer Hope
انضم للمعجبين بالمنتدى منذ 28/11/2012
سحابة الكلمات الدلالية
حزين الأدبي للبكاء اللغة رحلة النقد شوقي التركيب يستسلم ننجز الشكلانية بالكلمات البياني الاجنبي مقدمة حينما الاثر العنف تعريف أحمد المنام الرجال النص انجلاء رثاء تراثنا


حقوق النشر محفوظة لمنتديات تخاطب
المشاركون في منتديات تخاطب وحدهم مسؤولون عن منشوراتهم ولا تتحمل الإدارة ولا المشرفون أي مسؤولية قانونية أوأخلاقية عما ينشر فيها

Powered by phpBB© 2010

© phpBB | Ahlamontada.com | منتدى مجاني للدعم و المساعدة | إتصل بنا | التبليغ عن محتوى مخالف | مدونة مجانية