منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
تسجيلك في هذا المنتدى يأخذ منك لحظات ولكنه يعطيك امتيازات خاصة كالنسخ والتحميل والتعليق
وإضافة موضوع جديد والتخاطب مع الأعضاء ومناقشتهم
فإن لم تكن مسجلا من قبل فيرجى التسجيل، وإن كنت قد سجّلت فتفضّل
بإدخال اسم العضوية

يمكنك الدخول باستخدام حسابك في الفيس بوك



ستحتاج إلى تفعيل حسابك من بريدك الإلكتروني بعد تسجيلك هنا
التسجيل بالأسماء الحقيقية ثنائية أو ثلاثية وباللغة العربيّة فقط

منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة

تهتم بـ الثقافة والإبداع والفكر والنقد واللغة والفلسفة
 
بحـثالرئيسيةالتسجيلدخول
تعلن إدارة المنتديات عن تعيين الأستاذ بلال موقاي نائباً للمدير .... نبارك له هذه الترقية ونرجو من الله أن يوفقه ويعينه على أعبائه الجديدة وهو أهل لها إن شاء الله تعالى
للاطلاع على فهرس الموقع اضغط على منتديات تخاطب ثم انزل أسفله
» الاتجاه التداولي والوظيفي في الدرس اللغويالإثنين 2 أكتوبر 2017 - 20:42 من طرف الشريف الجرجاني» نظرية النحو التحويلي – تشومسكي الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 - 22:51 من طرف شادي مجلي سكر» الدّرسُ النحوي في بغداد أم مدرسَة بغداد النحويّة؟ - د.محمد قاسم1الأحد 24 سبتمبر 2017 - 23:17 من طرف احمد عارف الكبيسي» لأول مرة على النت كيف ننجز الأشياء بالكلمات؟ أ.د محمد حسن عبد العزيزالسبت 16 سبتمبر 2017 - 21:53 من طرف رنيم يوسف» الفلسفة:تعريفها و أهميتها والرد على دعاوى معارضيهاالخميس 7 سبتمبر 2017 - 23:09 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» براءةٌ من تجاوزات الخيامالخميس 20 يوليو 2017 - 5:23 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيام - المجموعة الرابعةالإثنين 17 يوليو 2017 - 6:41 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيام - المجموعة الثالثةالأحد 9 يوليو 2017 - 9:30 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيام - المجموعة الثانيةالأحد 2 يوليو 2017 - 7:43 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيامالإثنين 26 يونيو 2017 - 9:01 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» ورشة عمل #الامن و#السلامة في#المستشفيات والمراكز الصحيةالثلاثاء 6 يونيو 2017 - 16:38 من طرف مركز ميتك» #دورة ادارة المخاطر التعاقدية و#التأمين و#التعويضات #دورة معتمدةالثلاثاء 6 يونيو 2017 - 16:34 من طرف مركز ميتك» #دورة ﺍﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻓﻲ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻹﺩﺍﺭﻳﺔ #دورة متقدمةالثلاثاء 6 يونيو 2017 - 16:31 من طرف مركز ميتك» #دورة الاتجاهات العملية والتطبيقية في العقود و#الرخص #الالكترونية الأربعاء 31 مايو 2017 - 17:37 من طرف مركز ميتك» #دورة المفاهيم الأساسيه لعلم السموم Basic concepts of Toxicologyالأربعاء 31 مايو 2017 - 17:33 من طرف مركز ميتك

شاطر | 
 

 المعَاني القرآنية في الشعر الجَزائري الحَديث ـــ د.عبد القادر هني[1]

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد صغير نبيل
عضو شرف
عضو شرف
avatar

وسام النشاط :
وسام النشاط

القيمة الأصلية

البلد :
الجزائر

عدد المساهمات :
204

نقاط :
476

تاريخ التسجيل :
16/05/2010

الموقع :
الجزائر


مُساهمةموضوع: المعَاني القرآنية في الشعر الجَزائري الحَديث ـــ د.عبد القادر هني[1]   الثلاثاء 22 فبراير 2011 - 7:01

المعَاني القرآنية في الشعر الجَزائري الحَديث ـــ د.عبد القادر هني[1]

من يقلب النظر في الشعر الجزائري في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الذي نحن فيه يلحظ أن الطابع المميز لهذا الشعر هو الركاكة والضعف اللذان جعلا اسم "الشعر" لا يصدق على ماكان ينظمه شعراء هذه الحقبة، إلا على سبيل التسامح والتجوز؛ لافتقاره إلى العناصر الحقيقية للشعر كما يعرفه النقد الحديث. إذ لاتعدو منظومات هذه الفترة أن تكون كلاماً لا يختلف في شيء عما هو متداول في حلقات الذكر وفي المجالات الأخرى من الحياة اليومية، وقد جاء هذا الكلام في أوزان مكسورة غالباً، طابعها التعمُّل والتكلُّف. وعُقد بقواف لا أثر فيها للطبع والموهبة، فهي مجتلبة اجتلاباً يجعلك تحس بنبوها إحساساً يؤذي الذوق ويبعث على الاشمئزاز. وإذا نظرت إلى لغته ومعانيه فإنك لا تجد فرقاً بينها وبين لغة النحو والفقه والتوحيد، وما إليها من العلوم والمعارف التي يتميز الشعر منها تميزاً بيناً؛ لما يحتاج إليه من ملكات فطرية وأدوات كسبية ليست من نوع ما يحتاج إليه في غيره من المجالات المعرفية الأخرى.

وإذا كنا لا ننكر أن العقد الثاني من القرن العشرين في الجزائر بدأ يعرف مع أمثال عمر بن قدور والمولود بن موهوب وعبد القادر المجاوي وسعد الدين بلقاسم بن الخمار وغيرهم محاولات لإخراج الشعر من الدوائر المغلقة التي ظل حبيسها ردحاً طويلاً من الزمن(1)، فإن ما لابد من توكيده هو أن هذه المحاولات ظلت فردية ولم تستطع أن تغير الوجه الشاحب المميز للشعر الجزائري في هذه الآونة، فالشيخ البشير الإبراهيمي فحص ما أُنتج من أشعار في هذه المدة فوجدها ـ كما يقول: أختاً للأشعار "الملحونة الرائجة في السوق، لأنها منقطعة الصلة بالشعر في أعاريضه وأضربه، ومنقطعة الصلة بالعربية في ألفاظها ومعانيها، ومنقطعة الصلة بالخيال في تصرفه واختراعه"(2).

وإذا كان كلام الإبراهيمي لا يشمل في تقديرنا أشعار الشعراء الذين ذكرناهم على الأقل، فإن الجهود التي بذلها هؤلاء على الرغم من قيمتها في مسار الشعر الجزائري الحديث، فإنها لا تمثل المنعرج الحاسم في تاريخ هذا الشعر، فالقطيعة النهائية مع النموذج الشعري لعصر الضعف في الجزائر لا تبدأ إلا مع المشروع النهضوي الذي أقرته الحركة الإصلاحية لتحديث المجتمع الجزائري وتحريره من التخلف الذي كرسته السياسة الاستعمارية لقطع صلته بأصولها العربية والإسلامية، ولا نحسب أن الشيخ عبد الحميد بن باديس كان متزيداً ومبالغاً حين حدد بداية نهضة الشعر الجزائري بميلاد جريدة (المنتقد) سنة 1925، فقال: "...... الحقيقة التي يعلمها كل أحد أن هذه الحركة الأدبية ظهرت واضحة من يوم أن برزت جريدة المنتقد، فمن يوم ذاك عرفت الجزائر من أبنائها كتاباً وشعراء ماكانت تعرفهم من قبل"(3). معنى هذا أن البعث الحقيقي للحركة الأدبية والشعرية في الجزائر، بدأ مع الحركة الإصلاحية التي نشأت في هذا التاريخ وكان مشروعها الثقافي المتدرج في مخططها النهضوي العام عربياً إسلامياً في روحه ومنهجه وأهدافه.

وإذا كان الإصلاحيون الجزائريون قد رأوا ـ في سعيهم في تحديث الثقافة العربية والإسلامية بالجزائر ـ أن العودة إلى التراث الأدبي العربي في عهود ازدهاره تُعد عاملاً رئيساً من عوامل الارتقاء بالأدب الجزائري ليؤدي وظيفته الحقيقية بحسبه أداة ناجعة من أدوات التربية والنهضة الاجتماعية التي كانت من بين الغايات الأولى في الخطة النهضوية للإصلاحيين، فحرصوا على ربط الناشئة بالتراث العربي في فترات قوته، فإن حرصهم كان أشد على تنشئة الجيل الذي سيمثل ركائز النهضة وأعمدتها على القرآن الكريم، إيماناً منهم بأن النهضة الإسلامية المأمولة في الجزائر لا يمكن أن يكون لها معنى، إلا إذا كان عمودها الفقري هو كتاب الله عز وجل، وهذا ما تفسره وتدل عليه الأهمية الكبرى التي أعطيت للقرآن الكريم في مدارس الإصلاحيين وفي برامجهم التربوية والتعليمية بوجه عام، وفي هذا الإطار يتنزل قول رائد الحركة الإصلاحية الإمام عبد الحميد بن باديس: "إننا والحمد لله نربي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يكوِّن القرآن منهم رجالاً كرجال سلفهم. وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق هذه الأمة آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودنا وجهودها"(4).

ونفس هذه العناية بالقرآن في تعليم الناشئة نلمسها عند رجال الإصلاح الآخرين كالشيخ البشير الإبراهيمي الذي كان يرى أن التزود به لا ينبغي أن يكون وقفاً على المراحل الأولى، إنما يجب أن يبقى مستمراً حتى بعد التخرج في المدارس العالية؛ لما لكتاب الله من آثار محمودة لا في السلوك فحسب، بل أيضاً في صقل الألسنة وتربيتها على الفصاحة والبيان، وهو نفس الاهتمام الذي أبداه الشيخ أبو اليقظان الذي خصص للقرآن وآثاره عدداً من المقالات نشرها في جريدة الفرقان(5).

ولما كان الجيل الذي شهد معه الشعر الجزائري الحديث بداية تطوره الحقيقي قد تخرج في مدارس الحركة الإصلاحية التي بينت لنا مكان القرآن الكريم في برامجها، فإنه من الطبيعي أن تكون لهذا الرافد آثار واضحة فيما ستجود به قرائح الشعراء الذين شبوا واستقام عودهم في هذه المدارس، خصوصاً أن هؤلاء الشعراء فهموا أن وظيفتهم الأولى في المجتمع وظيفة تهذيبية تربوية تهدف إلى النهوض بالأمة ومحاربة البدع والضلالات، التي كان يشجع عليها المستعمر ليبقى الشعب الجزائري يعيش في ظلمات متراكبة الجهل، منقطع الصلة بالحياة الحقة، كما هو منصوص عليها في كتاب الله عز وجل. وقد اعترف الشعراء أنفسهم بفضل القرآن في تكوينهم وبآثره في أشعارهم، وهو أثر تجلى في أكثر من عنصر من عناصر الشعر عند هؤلاء؛ فقد مس المعجم الشعري والصورة بأنماطها المختلفة والإيقاع والمعاني. وسنحاول في السطور التالية أن نبرز هذا الأثر في معاني الشعر فحسب.

إن المتأمل للشعر الجزائري الحديث يلفت انتباهه الحضور القوي للمعاني القرآنية فيه ويلحظ كيف كان الشعراء يفزعون إلى القرآن الكريم يستلهمون منه مواقفهم من الاستعمار الفرنسي ومن الظواهر السلبية التي أفرزها الاحتلال وحاول الدخلاء جهد طاقتهم أن يكرسوها في الجزائر المسلمة، قصد تغريب شعبها وإبقائه في فلكهم. وفي هذا المجال احتلت مسألة الإيمان بالله والتشبث بالعقيدة ـ باعتبارها الخطوة الأولى في التربية والإصلاح ـ مركزاً سامياً من اهتمام الشعراء، رغبة منهم في تقوية الجانب الروحي في النفوس، وتوكيد صلة الشعب بحبل الله المتين، حتى يقوى على مواجهة مخططات فرنسا الرامية إلى ضرب هذا الجانب من الشخصية الجزائرية، كيما يسهل الإجهاز عليها وترويضها حسبما يخدم مصالحها وأطماعها الاستعمارية. لقد كانت متيقنة أن قوة هذا الشعب تكمن في قوة إيمانه، فإذا ما أفلحت في زعزعة هذا الجانب من شخصيته وتحويله عن قصده، فإن السبل تنفتح حيالها لاستغلاله كيفما شاءت، وتحويله عبداً يأتمر بأوامرها ويمشي طوع إرادتها. يقول مفدي زكرياء منبهاً إلى مغبة التهاون في عبادة الله:

إذا الشعب أخلف عهد الإله





وخان العقيدة فارقب زواله

وقال يبرز الأثر الإيجابي للإيمان:

وحرارة الإيمان يخبو دونها





وهج الخطوب وجاحم الأخطار

فالإيمان والعقيدة القوية، كما يرى زكرياء، يمثلان الأداة الناجعة لمقاومة الفناء والذوبان في الآخر، والوسيلة الفعالة لمجابهة الخطوب والنوازل مهما كانت شدتها وعنفها، وهي إشارات من مفدي إلى شعبه المسلم يبين له فيها عواقب التهاون والتفريط في العقيدة حتى يظل متمسكاً بإيمانه الذي يرتبط بقاؤه وعزته بمدى قوته وتمكنه من نفسه.

والإيمان الصحيح، الضارب بجذوره في أعماق النفس، كما يبرز ذلك محمد العيد هو اللُّحمة التي تؤلف بين الناس بقوة لا تنفصم عراها ولا تتزعزع مهما كانت العواصف هوجاً ومهما بلغت الهزات من الشدة والعنف؛ لأن ما أبرمه الله عز وجل يستحيل أن يقوى أحد على حل عقده:

لقد شد بالإيمان عقد قلوبنا





وليس لعقد شده الله فاصم

أما الإيمان كما عبر عنه أحمد سحنون فهو أقوى عدة بيد الشعب لمقارعة العدو الغاصب بجيوشه الجرارة، وقوته ـ أي الإيمان ـ لا تكافئها قوة الحديد والنار، لذلك يوجه نداءه إلى إخوانه في مصر فيقول:

واجعلوا قوة الإيمان أقوى عدة





تغنموا النصر على الباغي العنيد

قوة الإيمان لا ترهب ما





حشد الطغاة من (جيش عتيد)

قوة الإيمان لا تعدلها





قوة النار ولا بأس الحديد

فمن ينعم النظر في الأبيات التي سقناها هنا يلاحظ في يسر أنها غير خارجة عن دائرة المعاني القرآنية في آي الذكر الحكيم التي تحث الإنسان على الإيمان وتبرز له فضله في حياته الدنيا وفي الآخرة كقوله عز وجل: ]فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون[، (الأنعام: 48). وقوله تعالى: ]الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون[. (الأنعام: 82).

وقد اهتدى بعض الشعراء، في هذا الإطار، بنهج القرآن الكريم في تذكير الإنسان بخالقه وتقوية إيمانه به، وذلك عن طريق دعوته إلى تدبر ما يحيط به من آيات الكون العجيبة، التي توقد جذوة الإيمان في النفس، وتزيد الإنسان يقيناً بوجود الله وهيمنته على الكون بأشيائه وأحيائه. فمفدي زكرياء تملى في قسمات بلاده فأدرك من خلالها ربه، فازداد يقيناً بوحدانية الله الذي لا يشاركه في ملكه أحد:

بلادي عرفت الله في قسماتها





وآمنت أن الله ليس له ثاني

ويعجب من أولئك الذين يعصون الله، وكل مافي هذا الكون من مظاهر يشير إليه، ويشهد على وجوده، ويدل على وحدانيته:

أيا عجباً كيف يُعصى الإله





أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيءٍ له آية





تدل على أنه واحد

ولله في كل تحريكة





وتسكينة أبداً شاهد

ويستلهم محمد العيد آل خليفة طائفة من المعاني القرآنية ليحفز النفوس على الاستمساك بالدين والعمل بتعاليمه وتطبيق أحكامه وليحمل الناس على عدم الخوف من أية قوة مهما كانت جبارة، لأن الله القوي العزيز الذي يعتصمون به لا يقوى مخلوق أيَّاً كانت سطوته وعدته من مغالبته. بل إن الوجوه جميعاً لتعنو له صاغرة، وأحكامه في خلقه نافذة لا معقب عليها:

حمداً لمن في الحق غاث وغارا





ولوجهه عنت الوجوه صغارا

سبحانه زجر القويَّ من الأذى





وحمى الضعيف من الأذى وأجارا

الغالب القهار فوق عباده





ومن ذا يكيد الغالب القهارا

من ذا يعقب من سوى القوي





ودرى الغيوب وقدَّر الأقدارا

فالشاعر إذ اتكأ على المعاني القرآنية في أبياته هذه؛ فإنه كان يسعى إلى أن يقوي من عزيمة مخاطبيه ـ الشعب الجزائري ـ في صراعهم المرير مع المستعمر الفرنسي حتى لا يفشلوا وتذهب ريحهم، وهو إذ يذكر بقوة خالقه وقدرته وإرادته النافذة في خلقه، فإنه يهدف إلى أن يعيد الثقة إلى النفوس في النصر الأكيد بمعونة الله، الذي قطع على نفسه، وعداً بنصر عباده المؤمنين المستضعفين على الظالمين. ومعنى ذلك أنه إذا أراد هذا الشعب المقهور نصراً من الله العلي القدير، فما عليه إلا أن يخلص في تقواه وفي إيمانه به، وأن يلتمس العون منه وحده عزَّ وجلَّ لأنه القادر على اللطف بهم ورفع الغبن ودفع الأذى عنهم بهزم الطغاة بالغاً ما بلغ عددهم وعدتهم.

ونلحظ هنا أن "العيد" حرص حرصاً شديداً على أن يحتفظ لمعانيه التي استوحى فيها كتاب الله بنفس دلالاتها في مصدرها الأصلي كما يتبين من الموازنة بينها وبين مثل قوله تبارك وتعالى: ]وعنت الوجوه للحيِّ القيوم وقد خاب من حَمَلَ ظلماً[ (طه: 111)، وقوله عزَّ وجل: ]والله يحكم غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون[ ( يوسف: 21) وقوله أيضاً: ] والله لا معقِّب لحكمه والله سريع الحساب[. (الرعد: 41)، إلى آيات كثيرة أخرى غير هذه كانت مرجعاً للشاعر في أبياته المتقدمة.

ومفدي زكرياء هو الآخر يبين لإخوانه في فلسطين السبيل الناجعة لاسترجاع أرضهم المغتصبة ظلماً وعدواناً، واستعادة حقوقهم المسلوبة، فيربط ربطاً مباشراً بين تحقيق هذه الغايات وبين طاعة المولى جلَّ جلاله وإخلاص العبادة له وحده، فنصرهم مرهون بنصرتهم العلي القدير، قال:

فإن تنصروا الله ينصركم





وينجز أمانيكم الغالية

ولن يخلف الله ميعاده





ولا ريب ساعتنا آتية

والعلاقة واضحة بين المعاني المصوغة في هذين البيتين وبين قوله تعالى: ]...... حتى يأتي وعد الله إن الله لا يُخلف الميعاد[. (الرعد: 31). وقوله: ]وعْدَ الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون[ (الروم: 6). وقوله في سورة "محمد": ]يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويُثبِّت أقدامكم[. (محمد: 7).

وتكشف الموازنة في هذا الموضع أن الشاعر كاد أن يعيد بعض هذه الآيات بنصها: فالألفاظ هي نفسها مع بعض التصرف الذي اقتضته قواعد النظم في نسج الأبيات.

ونرى زكرياء مرة أخرى يشد أزر أبناء الريف المغاربة في حربهم مع الاستعمار الإسباني فلا يجد في شحذهم بروح البذل والتضحية في سبيل تحرير أرضهم ودفع الظلم عن أنفسهم أنسب من معنى الرعاية التي يحيط بها الله عباده المؤمنين بعينه التي لا تنام في جهادهم الكفر والطغيان، فيقول:

(بني الريف) لا بني الشرق جميعاً





هلمُّوا فقد عَذُب المستقر

ففوقكم عين ربٍّ خبير





تنام العيون ولا تنحسر

وأحسب أن مفدي قد استلهم في بيته الثاني قوله عزَّ وجل: ]الله لا إله إلا هو الحيُّ القيوم لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم......[. (البقرة: 255). أما معنى الرعاية والنصر الإلهيين المفهوم من البيت فإن مرجعيته القرآنية أوضح من أن تحتاج إلى بيان.

وقد عمل الشعراء على تمتين صلة الشعب الجزائري بربه وتقوية ثقته في نصره على عدوه، بتذكيره المستمر بما أسبغه عزَّ وجلَّ على نفسه من نعوت وأوصاف. من هنا نرى صفات الله وأسماءه الحسنى، التي حفل بها القرآن الكريم، تتردد في كثير من القصائد التي نظمت في هذه المرحلة الدقيقة، التي كانت فيها الجزائر المسلمة تعاني من ـ جبروت الاستعمار وطغيانه. ومن أمثلة هذه الأسماء والصفات: الرحمن، الرحيم، الغالب، القهار، القوي، المهيمن، عالم الغيب، الخبير....الخ، فإذا عدنا إلى الأبيات السابقة التي أوردناها لمحمد العيد، فإننا نجده يستخدم لهذا الغرض نفسه بعض هذه الأسماء الصفات، وقد عاد إلى توظيفها في قصائد أخرى كما في قوله:

تبارك الله، هذا معترف





بأنَّ صانعه رحمن قهَّارُ

وقال في قصيدة أخرى أفردها للدعوة إلى التعاون وفعل الخير وترك مالا يرضي الله من أفعال قد يأتيها المرء خفية ظناً منه أن لا أحد يراقبه، والحال أن المولى تبارك وتعالى المهيمن على كل شيء في هذا الكون لا تخفى عليه صغيرة أو كبيرة من أفعال مخلوقاته:

الحُكْمُ لله كم غلَّت يداً يدهُ





والأمرُ لله كم أعلى وكم وضعا

مهيمنٌ كلُّ شيءٍ تحت قبضته





ومالكٌ كلُ سلطانٍ له خضعا

وقال مفدي زكرياء:

على ذمّة القهار ما أنا فاعل





إلى مفرق الجوزاء إلى السمك العالي

وفي النداء الذي رفعه إلى أبناء الريف المغربي يحثهم فيه على ترك الخنوع والتخاذل والنهوض لكسر قيود الذل التي تطوق أعناقهم يقول مفدي أيضاً:

فإن سامحتكم ضمائركم





فإن المهيمن لا يغتفر

واللافت للنظر أن توظيف الشاعر كلمة (المهيمن) في هذا المساق، الغرض منه استنهاض الهمم وتحريك النفوس للثورة على الغاصبين، فهو بتذكيره مخاطبيه بأن "المهيمن" ـ أي الله عزَّ وجل ـ لا يرضى على تقاعسهم وقعودهم عن بذل النفوس من أجل الحرية، فإنه يريد أن يوقد الشعور بالذنب والتقصير في حق الله تعالى، وهو معنى سيكون له من غير شك وقع شديد في النفوس التقية المؤمنة التي تعلم حق العلم أن غضب الله ليس بالأمر الهين مصداقاً لقوله جلت قدرته: ]ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى[، (طه: 81)، وقد لا نحتاج استعراض أمثلة كثيرة لنبين أن القرآن كان المصدر الأول لهؤلاء الشعراء في المعاني التي أدتها هذه الأسماء الصفات في السياقات التي استخدمت فيها. فحسبنا في ذلك قوله تعالى في سورة الحشر: ]هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله لا إله إلا هو الملك القدموس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر. سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يُسبِّح له مافي السموات والأرض وهو العزيز الحكيم[. (الحشر 22ـ 24).

ومن الطبيعي أن يؤدي ربط الشعراء الانتصار على الطغاة الغاصبين بقدرة المولى عز وجل ولطفه على عباده المؤمنين المظلومين إلى التوكيد على معاني التقوى والتوحيد والإخلاص في عبادة الله، وفي هذا المساق وجد الشعراء في القرآن الكريم، الذي كان يمثل عمود ثقافتهم، المصدر الأول الذي أمدهم بما حاولوا من خلاله أن يوثقوا صلة جمهورهم المسلم بربه، وهذا ما نلحظه بجلاء في طائفة من الأبيات التي مرت معنا، ويمكن أن نزيد ذلك إظهاراً بشواهد أخرى كقول محمد العبيد:

وحده في ذاتٍ وفي وصفٍ وفي





فعلٍ وفي خلقٍ وفي إبداع

و قال مفدي زكرياء في الموضوع نفسه:

إن من يُشرق الفؤاد بتقوى اللـ





ـه يعتز سعيه بسداد

وقال أيضاً:

راقب الله في مصيرك يا شعـ





ـبُ يراقبك حاضراً ومآلا

أما أحمد سحنون فيقول في هذا الموضوع أيضاً:

فمن يتحلَّ بثوب التقى





يجد مخرجاً وينل ما طلب

ويلق رضى الله من جنده





"ويرزقه من حيث لا يحتسب".

ولهؤلاء الشعراء وغيرهم كأبي بكر بن رحمون مثلاً أبيات أخرى ركزوا فيها تركيزاً واضحاً على مسألة التقوى وعبادة الله، وكانوا في ذلك كله يفزعون إلى القرآن الكريم يستمدون منه معانيهم كما هو بيِّن من النماذج التي قدمناها في هذا الموضع، والتي يدرك القارئ بيسر مرجعيتها فالشطر الثاني من البيت الثاني فيما أوردناه لأحمد سحنون مثلاً هو تضمين لقسم من الآية الثالثة من سورة (الطلاق) والبيتان معاً اعتمد فيهما الشاعر على الآيتين الثانية والثالثة من السورة نفسها، والبيت الأول عند مفدي زكرياء استلهم فيه من غير شك قوله عزَّ وجلَّ: ]ومن يتق الله يجعل له مخرجاً[. (الطلاق: 2). أما بيته الثاني فاستوعب فيه الآيات التي وعد فيها المولى عزَّ وجلَّ عباده المؤمنين المتوكلين عليه بالفوز في الدارين كقوله تعالى: ]ومن يطع الله ورسوله ويخشَ الله ويتقه فأولئك هم الفائزون[. (النور: 52)، وقوله: ]ومن يتوكَّل على الله فهو حسبه[. (الطلاق: 3). إلى آيات كثيرة أخرى بيَّن فيها الخالق الكريم لعباده الصالحين الذين يعبدونه في الغدوِّ والآصال ويفزعون إليه في كل شأن من شؤونهم أنه غير متخلٍّ عنهم.

أما مافي بيت محمد العيد من دعوة إلى توحيد الله وعدم الإشراك به فإن صلته بالقرآن الكريم على درجة كبيرة من البيان والوضوح ونقتصر هنا بالتذكير بقوله تبارك وتعالى: ]واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً[ (النساء: 36). فدعوة الناس إلى عبادة الله وعدم الإشراك به هي دعوة إلى توحيده في كل شيء والتسليم له بالقدرة على خلق ما يشاء.

وقوة الجانب الإيماني في النفوس على النحو الذي سعى الشعراء إلى تحقيقه هو ما سيجعل الشعب المسلم مهيأً لقبول أحكام الله فيه بنفس راضية مطمئنة لا تشوبها نزعة من قلق أو حيرة، أو شك في عدل الله عزَّ وجلَّ؛ لأن المؤمن الحق يرضى بما قدره الله عليه رضاءً كاملاً، من غير فزع أو جزع، سيما أن جزعه لا يرد عليه قضاء الله وقدره، ولا يدفع عنه الضرَّ الذي أصابه، كما يقول محمد العيد آل خليفة(7):

تُردّدُ (لو) بعد المصيبة نادماً





وما قول (لو) بعد المصيبة نافع

لقد قدَّر الله المقادير كلها





وما ثمَّ مشفوع ولا ثمَّ شافع

أحاط قضاءُ الله بالخلق كلهم





فلم يمتنع شيخٌ ولم ينجُ يافع

ألا فارجع الطرف الذي أنت طامح





به واخفض الرأس الذي أنت رافع

فمالك فيما يدفع الله جالب





ولا لك فيما يجلب الله دافع

فقد استعان الشاعر في تقرير حقيقة القضاء والقدر، وحتمية قبول حكم الله بكثير من المعاني المترددة في آي الذكر الحكيم في هذا الموضوع، منها قوله تعالى: ]الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمةٌ، وأولئك هم المهتدون[. (البقرة 156 ـ 157). ومنها قوله عزَّ وجلَّ: ]واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور[، (لقمان: 17). ومنها قوله: ]وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيرَة من أمرهم[(الأحزاب: 36)، إلى غير ذلك من الآيات التي جاءت لتقرير هذه الحقيقة(8). وفي البيت الأخير استلهم محمد العيد ـ كما لاحظ الأستاذ بو حجام ـ قوله تعالى : ]ما يفتح الله للناس من رحمةٍ فلا ممسك لها وما يُمسك فلا مُرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم[. (فاطر: 2).

[1] ـ باحث وأستاذ في جامعة الجزائر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

المعَاني القرآنية في الشعر الجَزائري الحَديث ـــ د.عبد القادر هني[1]

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة ::  اللغة والنحو والبلاغة والأدب :: منتدى اللغة العربية وأصول الفقه-
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blinklist  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Technorati  

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


فانضموا إليها

Computer Hope
انضم للمعجبين بالمنتدى منذ 28/11/2012
سحابة الكلمات الدلالية
تعريف حزين التركيب يستسلم الاثر أحمد الرجال مقدمة للبكاء النص حينما الأدبي بالكلمات البياني رحلة الشكلانية المنام رثاء اللغة ننجز العنف الاجنبي شوقي تراثنا النقد انجلاء


حقوق النشر محفوظة لمنتديات تخاطب
المشاركون في منتديات تخاطب وحدهم مسؤولون عن منشوراتهم ولا تتحمل الإدارة ولا المشرفون أي مسؤولية قانونية أوأخلاقية عما ينشر فيها

Powered by phpBB© 2010

© phpBB | منتدى مجاني | منتدى مجاني للدعم و المساعدة | إتصل بنا | التبليغ عن محتوى مخالف | الحصول على مدونة مجانية