منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
تسجيلك في هذا المنتدى يأخذ منك لحظات ولكنه يعطيك امتيازات خاصة كالنسخ والتحميل والتعليق
وإضافة موضوع جديد والتخاطب مع الأعضاء ومناقشتهم
فإن لم تكن مسجلا من قبل فيرجى التسجيل، وإن كنت قد سجّلت فتفضّل
بإدخال اسم العضوية

يمكنك الدخول باستخدام حسابك في الفيس بوك



ستحتاج إلى تفعيل حسابك من بريدك الإلكتروني بعد تسجيلك هنا
التسجيل بالأسماء الحقيقية ثنائية أو ثلاثية وباللغة العربيّة فقط

منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة

تهتم بـ الثقافة والإبداع والفكر والنقد واللغة والفلسفة
 
بحـثالرئيسيةالتسجيلدخول
تعلن إدارة المنتديات عن تعيين الأستاذ بلال موقاي نائباً للمدير .... نبارك له هذه الترقية ونرجو من الله أن يوفقه ويعينه على أعبائه الجديدة وهو أهل لها إن شاء الله تعالى
للاطلاع على فهرس الموقع اضغط على منتديات تخاطب ثم انزل أسفله
» تحميل كتاب علم اللغة العام - فرديناند دي سوسيرالسبت 26 مايو 2018 - 10:24 من طرف عماد صادق» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (4)الجمعة 18 مايو 2018 - 21:05 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (5)الجمعة 18 مايو 2018 - 21:04 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» لغة الأمجادالإثنين 30 أبريل 2018 - 4:25 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (3)الأحد 29 أبريل 2018 - 14:01 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (2)الجمعة 27 أبريل 2018 - 15:29 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» نحو طب مفاهيمي "فلسفي"مكمل للصحة النفسية والعقلية الشاملة (1)الخميس 26 أبريل 2018 - 15:49 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» لسانيات النص وتحليل الخطاب .. المجلد الأول ..الأحد 22 أبريل 2018 - 18:57 من طرف جلال» Introduction The intellectual heritage of Arab thinker Dr. Ismat Seif الأحد 22 أبريل 2018 - 17:12 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» Introduction to philosophyالخميس 5 أبريل 2018 - 0:28 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» ضعف السمعالأحد 25 مارس 2018 - 18:53 من طرف عمر عصام» ضعف السمع للاطفالالأحد 25 مارس 2018 - 18:52 من طرف عمر عصام» منظومة الخليل في العروضالأحد 25 مارس 2018 - 16:52 من طرف خشان خشان» دراسات حديثة في العروض العربيالأحد 25 مارس 2018 - 16:06 من طرف خشان خشان» ضعف السمع وعدم الاتزانالإثنين 19 مارس 2018 - 17:22 من طرف عمر ماستر

شاطر | 
 

 اللغة من الإنشاء البلاغي الى التفكيك اللساني - د. منذر عياشي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد بكاي التلمساني
عضو شرف
عضو شرف


وسام النشاط :
وسام النشاط

القيمة الأصلية

البلد :
الجزائر

عدد المساهمات :
210

نقاط :
602

تاريخ التسجيل :
15/08/2010

المهنة :
باحث وكاتب


مُساهمةموضوع: اللغة من الإنشاء البلاغي الى التفكيك اللساني - د. منذر عياشي   الخميس 2 سبتمبر 2010 - 18:44

اللغة
من الإنشـاء البلاغـي إلـى التفكيـك اللســاني



د. منذر عياشي

من يدرس من ـ اللسانيات تدرس اللغة أم البلاغة تدرسها ـ وأيهما أصل والثاني فرع ـ وهل ثمة ضرورة للدرس اللساني أن يكون درساً بلاغياً ـ أم أن الضرورة هي أن يكون الدرس البلاغي درساً لسانياً، ومن ينزاح عن تمركزه ومركزه لمن ـ أليست الأولوية في كل شيء، والمركزية في كل شيء، تحمل نقيضين يريدان أن يحتلا كل شيء وهما: الميتافيزيقا والفيزيقا ـ وماذا لو أن كلاً من الدرسين:اللساني والبلاغي، قد استقل بنفسه، وقد استقلا بالفعل ـ ثم ماذا يكون، لو نهض الدرس اللساني، مثلاً، بمهام الدرس البلاغي وأداها، أو ماذا يكون لو حلّ محله في درس خواص الكلام الجمالية ـ وماذا لو أن العكس قد صار أيضاً؟


1- فاتحة الأسئلة
ماذا لو أن نظرية في الإدراك أو في المعرفة قلبت منطق المعرفة في كل هذه الأسئلة، وقالت لنا: إن اللغة، موضوع الدرس في هذين العلمين، هي الدراسة لهذين العلمين ـ كيف سيكون منظورنا المعرفي حينئذ، وكيف ستكون مقاربة هذا المنظور لموضوعه منهجياً ـ وكذلك، ألا يجعل هذا الأثر اللغة تستقطب العلمين لنفسها، وتكون لهما مركزاً ـ وماذا لو أن الدرس قد ذهب بنا إلى تجاور الاستقطاب، وتفتيت مركزية اللغة ـ هل يبقى الدرس، والحال كذلك، علمياً ـ أم أن مركزية العلم، ونحن بين يدي هذا الدرس، تستحق منا إعادة النظر فيها؟

أسئلة كثيرة يعلوها منطق التدافع. ولذا، فإننا نتوخى منها هدم الإجابات عنها وتقويضها أكثر من إبرازها وجعلها مركزيه. والسبب لأن المركزيات في المعرفة والعلم تجعلهما مغلوطين، ولأنها تنزاح بهما كي يعملا خارج حقلهما. وفي الواقع، فإن هذا هو حال المركزية في كل شيء. إنها تفسد الرؤية، وتوهم بأن من يمتلكها يمتلك الصواب، في مساره البحثي، أو يمتلك الحقيقة إن كان صاحب مسار إيديولوجي.وهذا ما ستلمسه أثناء عبورنا في هذا البحث.

وإذا كان هذا يكرس للبحث موقفاً، فنحن لا نريده أن يكون موقفاً يكرس مركزية من أي نوع. ولذا، فإن دراستنا هذه لن تكون:
- دراسة للأفكار اللسانية.
ـ أو دراسة للأفكار البلاغية.
ـ أو دراسة للأفكار الفلسفية.
ـ أو دراسة لعلوم هذه الأفكار.

إن دراستنا ستكون، بكل بساطة قراءة. وهذه القراءة تستجيب إلى ما به يكون معمارها وهدم هذا المعمار في الآن ذاته، سعياً منها إلى التخلص من مركزية سلطة النماذج التي كرستها عادات في الثقافة وجعلتها شرطاً لإقامة الفهم وإنشاء المعرفة، مثل: سلطة البلاغة، أو سلطة الجهاز الإعرابي في النحو، أو سلطة الذات تحيزاً لمركزية مذهبية، أو سلطة التأويل التي تجعل القرآن تجسيداً لشخص وليس تجريداً لنص، إلى آخره.

ولكي لا يكون لنا في أنفسنا ميل إلى رأي، فقد ألجأنا النفس والرأي معاً إلى ملاذٍ لاذت به حضارة النص توليداً لكينونتها وتنشيئاً. فلقد أبدع الإسلام رؤية للعالم. ووضع نصاً أسكن فيه هذه الرؤية. ثم دعا إلى القراءة تفكيكاً للنص لغة وتركيباً ونظماً، وكشفاً عن هذه الرؤية تفسيراً وتأويلاً وتأسيساً للفهم. ولقد ذهب الناس، في هذه القراءة على مر التاريخ، مذاهب شتى. ومادمنا هنا مع البلاغة، بوصفها مساهمة في قراءة النص، فسنقف معها على ثلاثة صُعُد، ونعطي لكل صعيد ما يستلزم من أسئلة، وذلك قبل أن ننخرط فيها امتحاناً لأداء أُوالها mecanisme))، وصواب تأويلها، ومتانة تأسيسها للفهم:

1 ـ صعيد أداتي
هل البلاغة عنصر مكون أبدعه النص القرآني تكويناً للرؤية فيه، بمعنى هل هي عنصر داخلي من صميم نسج النص لنفسه كلاماً وكينونة ورؤية، أم هي أداة خارجية، وجهاز مفاهيمي مسبق، ومفتاح يستعين به قارئ النص فتحاً لمغاليق رؤيته، وكشفاً لمستور معانيه، وفضاً لبكارة صوره، وتذوقاً لمعسال بيانه؟

2 ـ صعيد أنطولوجي
هل البلاغة في النص هي النص دلالة، ومضموناً، ومفهوماً، ومرجعاً، ومخبراً، أم البلاغة في النص هي النص نظاماً، وشكلاً، وكلاماً، وبناء، ومظهراً، أم البلاغة في النص هي النص دلالة ونظاماً معاً، مضموناً وشكلاً، مفهوماً وكلاماً، مرجعاً وبناء، خبراً ومظهراً، أم هي شيء آخر لا يتمفصل مخبراً ومظهراً، ولا يقوم فيه التكوين على الثنائيات، أم أن البلاغة في النص وجود افتراضي تم ابتداعه لرد لغة النص العليا إلى لغة التواصل الدنيا، أو للعودة به من اللغة الثانية إلى الأولى بغية تفسيره تثبيتاً للفهم، وإيضاحاً للرؤية، وتقعيداً للجمال؟

3 ـ صعيد الخلق
يوضع على هذا الصعيد جمع من القضايا، ويطرح عدد من الإشكاليات، ويثار تكاثر من الأسئلة. ولقد نعجب، ونحن لا ندري، لماذا لم تطرح قضية البلاغة، في الثقافة الإسلامية على هذا الصعيد، مع أن القرآن نفسه، بوصفه نصاً لغوياً، قد جُعِلَ قضية إشكالية، وتم التساؤل فيه وعنه أهو مخلوق أم غير مخلوق.ونعلم أيضاً، أنه حول هذه القضية الإشكالية، قد ثار جدل كبير، وطرحت أسئلة معرفية كبرى أغنت الثقافة العربية الإسلامية بفكر، جعل من أمة النص واحدة من أهم الأمم وأكبرها في صناعة الأفكار وطرح الأسئلة.


2 ـ البلاغة بين إشكاليتين
تعريفات «الإشكالية» كثيرة. وسنختار تعريفين لأنهما معاً يوضحان المقصود. إلا أننا سنعمل، هنا، بوحي من الثاني لأنه منتج معرفي،ونرجئ الأول إلى دراسة قادمة:

- التعريف الأول:
« تتحدد الإشكالية من خلال الأفق الإيديولوجي الذي يتم إنتاجها فيه»(1).
وإذا تأملنا، فإننا لن نشك لحظة بأن إشكالية البلاغة، في الثقافة العربية الإسلامية، كانت ولا تزال إشكالية إيديولوجية في المقام الأول والأخير. وكما نوهنا، فهذا موضوع دراسة أخرى.
- التعريف الثاني:
يمكن للإشكالية أن تكون علمية أو فلسفية. وإنها لتظل على الدوام مفتوحة، لأنها تتبدل مع معطيات المعرفة (2).

ونلاحظ أن الإشكاليتين اللتين ستطرحان هنا، هما إشكاليتان بلاغيتان، فإذا كان للعلم فيهما نصيب وللفلسفة نصيب آخر، فإن لنظرية المعرفة الإسلامية فيها النصيب الأكبر والأوسع. والسبب لأن مناسبة الطرح فيهما تعود للقرآن وليس إلى شيء سواه. وسنترك الكلام الآن، مفسحين المجال، لكل إشكالية كي تقول نفسها وتطرح قضيتها.

1 ـ القرآن كلام الله، وهو أيضاً خلقه الكائن على غير مثال. ولذا، فقد أمكن في التصور الإسلامي،أن ينسب الكلام إلى الله، كما أمكن أن يشتق اسم الله من مسمى خلقه، فيقال «الخالق» استدلالاً على حدث وقع منه، واستدلالاً بالحدث على المحدث وما وقع منه.

وأما البلاغة، فهي علم من علوم الشخص. وإن مآلات كل وصف بها لا تعود لها، ولكن إلى الشخص الذي صارت به علماً. ومن هنا، فقد دلت العربية بالمسمى المشتق «البلاغي» على حدث البلاغة ومن يقع منه.

لقد علمنا، يقيناً، أن القرآن كلام الله، وأنه بالتالي خلقه الكائن على غير مثال، ولكن ما لا يتوازى علماً يقيناً مع هذا العلم هو الزعم بأن البلاغة هي غاية الله في خلق كلامه، وأنه تبارك وتعالى جعلها أداته في إنفاذ إعجازه من خلال خلق كلامه. والسؤال الذي يترتب على هذه القضية، معرفياً، هو سؤال يتعلق بكينونة البلاغة نفسها أولاً، وبوجودها في الخطاب القرآني ثانياً: هل هناك كينونة بلاغية إنْ نظاماً إنْ أداء، أم هي مجرد وجود افتراضي لغرض تحليلي؟ وهل يوجد في القرآن كينونة بلاغية لها خواصها الوجودية التي يتميز بها كلام الله من سواه، وتتجلى فيها معجزته، كما يزعمون؟

هناك، من غير شك، تراكم معرفي، يغطي كل قرون العلم الإنساني، يقر بوجود كينونة بلاغية. كما هناك تراكم معرفي، يغطي كل قرون العلم الإسلامي، يقر بوجود بلاغة في القرآن. ولكن لم يوجد، مع ذلك، شيء منع ابن حزم وابن تيمية وغيرهما من الشك في المجاز (وهو جوهر البلاغة وكلها)، وإعادة النظر فيه سعياً وراء مفهوم آخر، وثقب جدار المستحيل. والقرآن، بما هو كائن على غير مثال، هو أفق مفتوح يقبل في درسه كل جديد نظري، ومنهجي، وتحليلي. والعصور الحديثة التي نحن فيها، قد جاءتنا بمثل هذا.

2 ـ إذا كنا قد طرحنا، في الأعلى، إشكالية الوجود البلاغي، ورأينا أنها إشكالية جد معقدة، فإننا نريد هنا، وعبر الأسئلة أيضاً، أن نطرح إشكالية الكينونة والهوية البلاغيتين في القرآن، وماذا تكونان. وإن هذا ليعد، منا، استجلاء موضوعياً، وسبيلاً علمياً في الوقت نفسه. ذلك لأن الأشياء في المعرفة لا تُقَرُّ ببدهية شيوعها، ولكن بالتنقيب عنها، وتمحيصها، وتفتيتها، ومعرفة مكوناتها. ألا وإنه على مثل هذا، سيدور بنا النظر إلى البلاغة في القرآن، أي النظر إلى البلاغة بوصفها كينونة إشكالية لاشيء يقطع يقيناً بكينونتها وهويتها، بله وجودها. ولما كان الأمر هكذا، فقد تمحورت الأسئلة، بالدرجة الأولى، حول الكينونة والهوية. وإننا لنبسطها فيما سيأتي.


3 ـ مفصلا الكينونة والهوية:

ـ مفصل الكينونة. وتطرح فيه الأسئلة الآتية:

هل البلاغة في القرآن منتج لنص القرآن أم نتاج لنص القرآن؟ وإذا كانت البلاغة مُنْتِجاً لنص القرآن، فهل هي نظامه الذي به يكون، أم هي أداؤه الذي ينتجه نظام آخر؟ وإذا كانت البلاغة في كينونتها منتجاً للنص القرآني وناتجاً له في الوقت نفسه، لأنها نظام وأداء بآن، فهل هي في نظامها وأدائها تنسحب على كل القرآن أم على جزء منه؟ ثم هل هي بديل لنظام التركيب اللغوي في القرآن وأدائه الكلامي والخطابي، أم هي، في نظامها وأدائها، شيء مضاف إلى نظام التركيب اللغوي في القرآن وأدائه الكلامي والخطابي؟ وبقول موجز وسؤال آخر: أين تقف كينونة البلاغة في القرآن نظاماً وأداء، وأين تبدأ كينونة اللسان في القرآن نظاماً وأداء؟


--------------------------------------------------------------------------------

أما البلاغة، فهي علم من علوم الشخص. وإن مآلات كل وصف بها لا تعود لها، ولكن إلى الشخص الذي صارت به علماً. ومن هنا، فقد دلت العربية بالمسمى المشتق «البلاغي» على حدث البلاغة ومن يقع منه

--------------------------------------------------------------------------------

ـ مفصل الهوية. وتطرح فيه الأسئلة الآتية: إذا لم تكن البلاغة مُنْتِجاً للنص القرآني وكانت نتاجاً له، كما يرى ذلك منظور معين للقرآن، فما حاجة القرآن إليها في تمامه نظاماً، وفي كماله كلاماً وخطاباً؟ وإذا كان هذا السؤال وظيفياً، فهل تتحدد البلاغة هويةً بالوظيفة التي تؤديها؟ وإذا كانت البلاغة في هويتها وظيفة، فهل تتحد هويتها، في هذه الحال، بوصفها أداة لبيانه، ووسيلة تتضح بها ومن خلالها في القرآن فكرة العالم وفكرة الدين بآن؟ وإذا كانت هي كذلك، أفلا تكون بهذا المعنى، وبسلطة نماذجها وتسلطها عليه، هي المركز النصيُّ فيه إنْ في رؤية العالم، وإنْ في معرفة الدين؟ وإذا تأَكد هذا للبلاغة بالوظيفة التي وسِّدت إليها، أفلا تكون، في هذه الحال، أداة بها تتجاوز لغةُ القرآن، نظاماً وأداء، قصورَها، فتقول بوساطتها ما لا تقوى على قوله من غيرها؟ وإذا كان للبلاغة هذا الشأن العظيم في القرآن، وهذا السند الكبير، فإن السؤال المخيف الذي ينبني على هذا الريب هو: هل المساس بالبلاغة في القرآن، شكاً بنموذجها ونفياً لوجودها، يعد محرماً؟ وهل يعد إسقاطها من القرآن خروجاً عن الدين، أو يؤدي إلى فساد فيه؟ طبعاً، نحن لا نطرح هنا سؤالاً نلتمس له إجابة إيديولوجية، ولكننا نطرح سؤالاً نريد له إجابة معرفية. ولذا، نجدنا نطرح سؤالاً آخر فنقول: ماذا لو أن البلاغة لم تكن وظيفية في هويتها، وكانت، بالأحرى، عضوية كما هي الحال من منظور قرائي آخر؟ وإذا كانت هي كذلك، فهل يبقى التصور الذي سقناه آنفاً صالحاً لتأسيس الفهم؟ وهل ستبقى البلاغة بلاغة؟ وهل ستبقى مركزاً لرؤية العالم ومعرفة الدين في القرآن، أم ستتخذ مساراً آخر، فتتخلى عن نفسها وعن مسماها، لتكون شيئاً آخر تكف فيه عن أن تكون أمراً حادثاً بالنظام، أو مستحدثاً فيه، أو مضافاً إليه؟ وإذا كان هذا الذي نشير إليه بمسمى البلاغة عضوياً في هويته، كما قدمنا، أليس الأولى أن ينظر إليه على أنه كلام الله، وأنه، بالتالي، خلق مثل كل مخلوقات كلامه، وأنه، بوصفه كذلك، يعد من صلب نسيج الخطاب القرآني ولا يصح التعامل معه إلا كذلك؟ ولقد نقول أيضاً بعبارة الجرجاني، إنه لا يصح التعامل معه إلا بوصفه نظماً «يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيراً للنسج والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتجهيز وما أشبه ذلك، مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، حتى يكون لوضع كل حيث وضع، علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح«(3).

لا تزال الأسئلة كثيرة، والإشكاليات التي يمكن أن تثار بها لا تقل عنها كثرة. ولذا، نريدها وقفه أخيرة، نستفيد فيها من بعض الأنظار، فنجمل وندقق الفكرة.

لقد قسم سوسير اللسان إلى لغة وكلام (4).

ووضع في مدرج اللغة اللفظ والنظام، ووضع في مدرج الكلام الأداء والخطاب. ولم يجعل للسان شيئاً آخر به يكون. ثم إن خصوصية كل لسان لا تنفي أنه على مدار هذه القسمة يكون. ولذا، فهذا منظور تجتمع فيه خصوصية الألسنة من حيث انتماؤها، وعالميتها من حيث تكوينها.

* والقرآن لسان عربي في لغته لفظاً ونظاماً، وعربي في كلامه أداء وخطاباً. وهذا أمر لاشك فيه بشهادة القرآن نفسه. يقول ربنا تبارك وتعالى: «لسان الذي يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين» (النحل ـ 103)، أي لسان عربي في لغته لفظاً ونظاماَ، وعربي في كلامه أداء وخطاباً. ولذا، فهو مبين، لا يحتاج في إبانته إلى إضافة شيء مما هو كائن في سواه وليس من محتواه، ولا إلى الاستعانة بلسان آخر، أعجمي، مما عداه. ويقول ربنا أيضاً: «إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون» (يوسف ـ 2). ويقول كذلك: «وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً، وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً»(طه ـ 112). وقد تكرر مثل هذا في مواضع عديدة من القرآن الكريم.

ولكن للقرآن، في النظم، طريقة انفرد بها من سائر ما عرف عند العرب من طرق في نظم الكلام. ولقد أكد الجرجاني هذا الأمر عدة مرات في كتابه «دلائل الإعجاز» ونجد من ذلك مثلاً قوله: «ومعلوم أن المعوَّل في دليل الإعجاز على النظم، ومعلوم كذلك أن ليس الدليلُ في المجيء بنظم لم يوجد من قبل فقط، بل في ذلك مضموماً إلى أن يبين ذلك النظم من سائر ما عرف ويعرف من ضروب النظم»(5) ويقول أيضاً: «إن التحدي كان أن يجيئوا في أيِّ معنى شاؤوا من المعاني بنظم يبلع نظم القرآن في الشرف أو يقرب منه. يدل على ذلك قوله تعالى:«قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات» (هود ـ 13)، أي مثله في النظم، وليكن المعنى مفترى كما قلتم، فلا إلى المعنى دعيتم، ولكن إلى النظم»(6).

4 ـ القرآن نظام ونظم
القرآن الكريم كلام بنظامه قائم، وهو أيضاً حضٌ بنظمه دائم. أما النظام، فقد تبيناه وعرفنا المقصود منه في قسمة سوسير للسان. وأما النظم، فقد تبيناه وعرفنا المقصود منه في تحديد الجرجاني له وتعريفه. والسؤال الذي يطرح هو: هل تقوم البلاغة في القرآن مع النظم تطابقاً، أم هي تقوم فيه مع النظم تماثلاً وتوازياً؟ وهل هي إعجاز في القرآن كما النظم حض فيه؟ وإذا لم تكن البلاغة موصولة بالنظم بأي سبب لا تطابقاً ولا توازياً وتماثلاً، فهل لها إلى النظام من سبيل؟ وهل تكون إعجازاً بسبب منه أو بغير سبب منه؟ ولماذا جعلوا البلاغة في القرآن(إن وجدت) إعجازاً؟

ثمة متصوران يتنازعان الرد على هذه الأسئلة. أما الأول، فنجده عند الجرجاني. وأما الثاني، فنتبينه من تلاحم النظام والنظم في المادة اللسانية.

- المتصور الأول
ويذهب الجرجاني فيه مذهبين:
* المذهب الأول، ويؤكد فيه أن لا إعجاز إلا في النظم. ولذا، فهو يقول: «لا يمكن أن تُجعل الاستعارةُ الأصلَ في الإعجاز وأن يُقصر عليها، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في أي معدودة في مواضع من السور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع ذلك فيها، ثبت أن النظم مكانُه الذي ينبغي أن يكون فيه». ثم إنه ليفسر النظم الذي يعني فيقول: «ليس النظم شيئاً غيرَ توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم»(8).
* المذهب الثاني، ويستدرك فيه على الأول، فيجعل البلاغة بكل ما فيها من استعارة، وكناية، وتمثيل، وسائر ضروب المجاز من مقتضيات النظم. فهي عنه تحدث وبه تكون. ولذا، فهو يرد على من ظن أنه بالنظم مُخرج ما في «القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز»، فيقول: «ليس الأمر كما ظننت، بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة ونظائرها فيما هو به معجز. وذلك لأن هذه المعاني» التي هي الاستعارة، والكناية، والتمثيل، وسائر ضروب المجاز من بعدها ـ من مقتضيات النظم، وعنه يحدث وبه يكون، لأنه لا يُتصوَّر أن يدخل شيء منها في الكلم، وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم من أحكام النحو. فلا يُتصوَّر أن يكون ههنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من دون أن يكون قد أُلِّف مع غيره. أفلا ترى أنه إذا قُدِّر في «اشتعل» من قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيباً) (مريم ـ 4) أن لا يكون «الرأس»، فاعلاً له، ويكون شيباً منصباً عنه على التمييز، لم يُتصوَّر أن يكون مستعاراً ـ وهكذا السبيل في نظائر الاستعارة، فاعرف ذلك(9).

- المتصور الثاني
ويمكن أن نتبينه من تلاحم النظام والنظم في المادة اللسانية نفسها، وذلك من خلال النقاط الآتية:
1 ـ إنه ليس في اللسان سوى اللسان لغة وكلاماً، أو نظاماً وأداء. ولذا، كان سوسير يقول: «اللغة نسق لا يعترف إلا بنظامه الخاص»(10). وإننا لنرى، بسبب هذا، أنها شبيهة بجسد غيور، لا يقبل فيه إلا ما هو منه.

2 ـ وأما النظم، الذي تبينا مفهومه عند الجرجاني بأنه «توخي لمعاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، فإنه لا يتناقض مع النظام كما جاء عند سوسير. بيد أنه نَظَرٌ إلى النظم من خلال خصوصيتين:
أ ـ خصوصية اللسان الذي يكون نظمه هو عين نظامه.
ب ـ وخصوصية النظم التي يتميز بها من خصوصية نظم آخر في اللسان الذي هو نظام فيه.

3 ـ النظام مصطلح عام، عند سوسير، ويتعلق بكل الألسنة. وهو يعد من الكليات العالمية للغات وأما النظم فمصطلح خاص، نعبر به عن خصوصية كل نظام من الأنظمة في كل لسان من الألسنة.
وإذا كان اللسان نظاماً لا يتسع لشيء سواه، والنظم ليس شيئاً سواه لأنه يمثل خصوصية الأداء والإنجاز فيه، فإن البلاغة لا تقع من اللسان موقع النظام، كما لا تقع موقع النظم من النظام. ولذا، فإننا لا نراها سوى نماذج افتراضية تقوم تصوراً في الأذهان، ثم يتم إسقاطها على اللسان كإجراء تصنيفي ومعياري لطبقات الكلام، والنظر إلى هذه الطبقات بوصفها وحدات دراسية وأمثلة تطبيقية.

4 ـ إن الأشكال الكلامية التي يشار إليها بأنها أمثلة بلاغية (الاستعارة، الكناية، التمثيل)، إنْ هي إلا خلق لساني. وهي بوصفها كذلك، فإنها لا تخرج عما ينبني به كلام القرآن نفسه من نظم. ومن هنا، فإننا نرى أن القرآن لا يتضمن أمثلة بلاغية ولكنه يتضمن خلقاً كلامياً، هو في تركيبه ينتمي إلى نظام العربية، ولكنه في الوقت نفسه، يشكل فيه نظماً مخصوصاً وفريداً.

5 ـ القرآن صادر عن خالق لا يُحاكى في خلقه. ويتمثل هذا الخلق الكلام في إبداع نموذج للكينونة الكلامية جديد، بوساطة تركيب غير مألوف، أو تأليف غير معروف، أو نظم أصيل لم يكن له، من قبل، مثيل في إطار اللسان العربي نظاماً، وذلك على الرغم من استعمال ألفاظ موجودة سابقاً.

6 ـ إن ما يؤكده الجرجاني، رأياً ونظرية، هو أن البلاغة (بكل ضروبها. استعارة، ومجازاً، وكناية.... إلى آخره) هي من مفرزات النظم. ولقد يعني هذا، بمفردات التحليل اللساني، أنها أداؤه، وأنها ليست هي هو من حيث كونه نظاماً به الأداء يكون. فإذا كان الأمر كذلك، فثمة تناقض عند الجرجاني لا يمكن فهمه. فقد جعل الإعجاز بداية في النظم، ثم جعل يقبل البلاغة بعد ذلك بوصفها إعجازاً في القرآن. أم أن البلاغة تصور خارجي(تصنيفي)، ويمكن استبداله بتصور آخر؟
والسؤال الذي يطرح، هنا الآن، سعياً وراء تحصيل الفهم، هو: هل الإعجاز في النظم، كما قال، أم في الأداء، والبلاغة جزء من الأداء، أم أن البلاغة لا وجود لها هنا أو هناك وإنما هي مجرد تصور وافتراض نقيمه في الأذهان لوصف ما في اللسان؟

يحمل هذا التناقض فيه ممكن حله، وذلك عن طريق إزالة أحد النقيضين. ولذا نرى أن نسقط البلاغة متصوراً ومفهوماً وإجراء، وأن ننظر إلى الأشكال الكلامية التي سميت باسمها أو باسم ضرب من ضروبها، على أنها مخلوقات كلامية ولا شيء غير هذا. وذلك لسبب بسيط، هو أنه لا يوجد في الكلام سوى الكلام، كما قلنا، ولأن هذه المخلوقات الكلامية كينونات مكتفية بنظامها وأدائها، وغير محتاجة إلى غيرها في وجودها.


--------------------------------------------------------------------------------

القرآن صادر عن خالق لا يُحاكى في خلقه. ويتمثل هذا الخلق الكلام في إبداع نموذج للكينونة الكلامية جديد، بوساطة تركيب غير مألوف، أو تأليف غير معروف، أو نظم أصيل لم يكن له، من قبل، مثيل في إطار اللسان العربي نظاماً، وذلك على الرغم من استعمال ألفاظ موجودة سابقاً

--------------------------------------------------------------------------------

المراجع والمصادر:
1 ــ Les dictionnaires Marabout: La Philosophie. Ed,C.E.P.L. Paris.1972.Tome3.P549-550
2 ــ المرجع السابق والصفحة.
3 ــ عبدالقاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز. تعليق: محمود محمد شاكر. مكتبة الخانجي. القاهرة. بلا تاريخ. ص49 .
4 ــ F.de Saussure: Cours de linguistique generale. Ed, Payothe. Paris. 1972. P23 - P36.
5 ــ الجرجاني: دلائل الإعجاز. ص596 .
6 ــ المرجع السابق. ص606.
7 ــ المرجع السابق. ص391 .
8 ــ المرجع السابق. ص391 ــ 392.
9 ــ المرجع السابق. ص393.
01 ــ F.de Saussure: Cours de linguistique generale. P43.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

اللغة من الإنشاء البلاغي الى التفكيك اللساني - د. منذر عياشي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة ::  اللسانيات النظرية :: اللسانيات العامة-
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية live      

قم بحفض و مشاطرة الرابط منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة على موقع حفض الصفحات
أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


فانضموا إليها

Computer Hope
انضم للمعجبين بالمنتدى منذ 28/11/2012
سحابة الكلمات الدلالية
تحميل التداولية التداوليات اللسانيات اللغة محمد المدرسة القاسمي نشأة متنوعة الحذف كتاب العربية الشرط النقد النص وخصائصها المبهمات موقاي مكتبة الجمل الاجنبي النحو ظاهرة بلال الهمة


حقوق النشر محفوظة لمنتديات تخاطب
المشاركون في منتديات تخاطب وحدهم مسؤولون عن منشوراتهم ولا تتحمل الإدارة ولا المشرفون أي مسؤولية قانونية أوأخلاقية عما ينشر فيها

Powered by phpBB© 2010

© phpBB | Ahlamontada.com | منتدى مجاني للدعم و المساعدة | إتصل بنا | التبليغ عن محتوى مخالف | انشئ مدونتك الخاصة