منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة
تسجيلك في هذا المنتدى يأخذ منك لحظات ولكنه يعطيك امتيازات خاصة كالنسخ والتحميل والتعليق
وإضافة موضوع جديد والتخاطب مع الأعضاء ومناقشتهم
فإن لم تكن مسجلا من قبل فيرجى التسجيل، وإن كنت قد سجّلت فتفضّل
بإدخال اسم العضوية

يمكنك الدخول باستخدام حسابك في الفيس بوك



ستحتاج إلى تفعيل حسابك من بريدك الإلكتروني بعد تسجيلك هنا
التسجيل بالأسماء الحقيقية ثنائية أو ثلاثية وباللغة العربيّة فقط

منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة

تهتم بـ الثقافة والإبداع والفكر والنقد واللغة والفلسفة
 
بحـثالرئيسيةالتسجيلدخول
تعلن إدارة المنتديات عن تعيين الأستاذ بلال موقاي نائباً للمدير .... نبارك له هذه الترقية ونرجو من الله أن يوفقه ويعينه على أعبائه الجديدة وهو أهل لها إن شاء الله تعالى
للاطلاع على فهرس الموقع اضغط على منتديات تخاطب ثم انزل أسفله
» الاتجاه التداولي والوظيفي في الدرس اللغويالإثنين 2 أكتوبر 2017 - 20:42 من طرف الشريف الجرجاني» نظرية النحو التحويلي – تشومسكي الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 - 22:51 من طرف شادي مجلي سكر» الدّرسُ النحوي في بغداد أم مدرسَة بغداد النحويّة؟ - د.محمد قاسم1الأحد 24 سبتمبر 2017 - 23:17 من طرف احمد عارف الكبيسي» لأول مرة على النت كيف ننجز الأشياء بالكلمات؟ أ.د محمد حسن عبد العزيزالسبت 16 سبتمبر 2017 - 21:53 من طرف رنيم يوسف» الفلسفة:تعريفها و أهميتها والرد على دعاوى معارضيهاالخميس 7 سبتمبر 2017 - 23:09 من طرف صبرى محمد خليل خيرى» براءةٌ من تجاوزات الخيامالخميس 20 يوليو 2017 - 5:23 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيام - المجموعة الرابعةالإثنين 17 يوليو 2017 - 6:41 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيام - المجموعة الثالثةالأحد 9 يوليو 2017 - 9:30 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيام - المجموعة الثانيةالأحد 2 يوليو 2017 - 7:43 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» رباعيات الخيامالإثنين 26 يونيو 2017 - 9:01 من طرف د. هشام سلطان الكاتب» ورشة عمل #الامن و#السلامة في#المستشفيات والمراكز الصحيةالثلاثاء 6 يونيو 2017 - 16:38 من طرف مركز ميتك» #دورة ادارة المخاطر التعاقدية و#التأمين و#التعويضات #دورة معتمدةالثلاثاء 6 يونيو 2017 - 16:34 من طرف مركز ميتك» #دورة ﺍﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻓﻲ ﻧﻈﻢ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﻭﺍﻹﺩﺍﺭﻳﺔ #دورة متقدمةالثلاثاء 6 يونيو 2017 - 16:31 من طرف مركز ميتك» #دورة الاتجاهات العملية والتطبيقية في العقود و#الرخص #الالكترونية الأربعاء 31 مايو 2017 - 17:37 من طرف مركز ميتك» #دورة المفاهيم الأساسيه لعلم السموم Basic concepts of Toxicologyالأربعاء 31 مايو 2017 - 17:33 من طرف مركز ميتك

شاطر | 
 

 خالد محمد علي المشرقي قراءة الآية[23]من سورة الفرقان وبعض من الألفاظ في الآيات[46-81-83] من سورة التوبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالدعون
*
*


القيمة الأصلية

البلد :
اليمن

عدد المساهمات :
3

نقاط :
9

تاريخ التسجيل :
10/01/2013


مُساهمةموضوع: خالد محمد علي المشرقي قراءة الآية[23]من سورة الفرقان وبعض من الألفاظ في الآيات[46-81-83] من سورة التوبة   الأحد 23 فبراير 2014 - 15:44

ملخص القراءة
توصل الباحث إلى مجموعة من النتائج لعل أبرزها :
• التوصل إلى أن معنى هباء في الآية 23 من سورة الفرقان هو : السحاب والضباب وليس ما ذكره المفسرون بدليل أنه قد وصف اللفظ بـ(منثورا – مبثوثا) ولو كان المعنى ما ذكره المفسرون ؛ لما احتاج إلى هذا الوصف ، فضلا عن أدلة أخرى ذكرت في مكانها من البحث .
• تشير الدلائل والقرائن المبثوثة في السياق الداخلي والخارجي للآية نفسها إلى أن الحكم بتلاشي أعمال الكافر يوم القيامة - مهما كانت منفعتها – منطبق على الكافر لمجرد كفره ؛ بغض النظر عن زمانه ومكانه وموقفه من الدعوة . كما تشير كذلك بالمقابل أن حق تميز الكافر وتصنيف حكر على الله سبحانه وتعالى ولا يجوز لأحد من البشر إطلاق كلمة الكفر على غيرهم مهما علم من المؤشرات والدلائل التي تدل على ذلك لأن هذا التمييز والتصنيف – بالنسبة للإنسان – لا يتم إلا بعد مفارقة الحياة بأدلة عديدة أبرزها الباحث في مكانها من البحث .
• القاعدون في الآية 46 التوبة ؛ المقصود بهم كل من قعد عن نصرة الحق والرسل بعامة ، أو من قعد في طريق الدعوة أو أقعد في النار من لدن إبليس إلى أن يرث الله الأرض وليس المقصود به ما ذكره أصحاب التفسير ؛لأن المعنى في قوله : " اقعدوا مع القاعدين " هو معنى تداوليا وليس حرفيا كما بين ذلك الباحث من خلال قراءة السياق ، فضلا عن العديد من القرائن والدلائل المبثوثة في السياق الداخلي والخارجي للآية و التى تشير إلى هذا المعنى وقد ذكرت في البحث .
• العلاقة بين ( المخلفين – والخالفين ) المذكورتين في الآية 81 ، 83 هي علاقة العموم والخصوص من وجه ؛ فكل خالف هو مخلف عن الغزوة وليس كل مخلف هو خالف ؛ لأن هناك من المخلفين من قبلت توبتهم بعد ذلك ومن ثم فالمقصود بالخالفين في الآية 83 هم المنافقون ، أو الخوالف في الآية التالية . والمقصود بالمخلفين هم الذين خلفوا أو تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك دون وجود عذر يمنعهم من المشاركة .
• العلاقة بين الخالفين في الآية 81 وبين القاعدين في الآية 46 هي علاقة العموم والخصوص ؛ فكل خالف هو قاعد بالمعنى الذي ذكره الباحث لكلمة قاعد ، وليس كل قاعد هو خالف ؛ من ثم فالخالقون أعظم درجة في العقاب عند الله من القاعدين بحكم دخولهم في حكم القاعدين وتميزهم عنهم بصفات ليست موجودة عند القاعدين ويتضح ذلك من خلال الخطاطة نهاية البحث والذي يتعزز بقوله تعالى " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ".

قراءة الآية 23 من سورة التوبة
قال تعالى :" وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " (الفرقان الآية 23)
قبل الشروع في تحليل هذه الآية لابد من الوقوف على معنى بعض ألفاظها نظرا لندرة استعمالها واختلاف المفسرين لها ومن ذلك لفظة (هباء) في الآية ؛فقد ذهب العديد من المفسرين كالزمخشري وابن عاشور وصاحب غريب القرآن ، وأبي السعود وغيرهم إلى أن معناها دقائق التراب الساطع في الجو كالدخان وما ينبعث من ضوء الشمس ، و جسيمات دقيقة لا ترى إلا في ضوء الشمس وكذا قال أغلب أصحاب المعاجم كالتاج ولسان العرب وأساس البلاغة وغيرهم .
كما قيل إن الهباء معناه الماء المراق ، وقيل الرماد إذا ذرته الريح ، وقيل الهباء : هو جسيمات دقيقة للغاية وغاز ، وقد تكون الجسيمات قطرات ماء ، أو قطع صغيرة من مادة صلبة عالقة ؛ أي موزعة في الغاز وتعد السحاب والضباب هباء جويا يحدث بصورة طبيعية .
والباحث يختار من هذه الأقوال- في سياق هذه الآية ، وإن خالف بذلك المفسرين - القول القائل بأن الهباء هو : السحاب والضباب . ويعود اختياره لأمرين :
الأول: السياق العام الذي وردت فيه اللفظة في القرآن ؛ فقد وردت في موضعين الأول هذه الآية والثاني في سياق قوله تعالى :" وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا "(الواقعة6‘ 5)
ففي هذه الآية نجد أن (هباء) ترد وصفا للجبال يوم القيامة على سبيل التشبيه . غير أننا لن نعرف المعنى المقصود منها إلا من خلال سياق اللفظة وذلك من خلال النظر للفظة من ناحية علاقتها بالكلمات المجاورة لها خصوصا لفظة (بس) ؛ فهذه اللفظة لها معنيين الأول التفتيت للشيء ، والثاني سَوْقُ الشيء ولعل القرآن الكريم قد اختار هذه اللفظة بالذات لتدل على المعنيين معا ؛ أي التفتيت والسوق بدليل قوله تعالى وهو يتحدث عن الجبال في سياق آخر- :" وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب " وقوله تعالى :" وتكون الجبال كالعهن المنفوش " ومن ثم يكون المعنى في الآية هو قطعت الجبال وسيقت ؛ فكانت أشبه بالهباء ؛ الذي هو عبارة عن جزيئات دقيقة وغاز ، الذي هو السحاب والضباب . يعزز هذا المعنى قوله تعالى في سياق آخر :" يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا " (الطور 10) وقوله تعالى " وسيرت الجبال فكانت سرابا " ( النبأ 20) ؛ ففي ذلك إشارة إلى أن معنى الهباء هو السحاب والضباب ؛ إذ إن السحاب – في حقيقته- ما هو إلا قطرات من الماء متبخرة من الأرض المختلطة بالغاز ، كما أن مقارنة قوله تعالى " وبست الجبال بسا ؛فكانت هباء منبثا " بقوله تعالى :" وترى الجبال تحسبها هامدة وهي تمر مر السحاب "– إذ نظرنا إلى المعنى على أنه التقطيع والسوق مجتمعين ؛ يشير إلى أن المقصود بالهباء هو السحاب والضباب. يتضح هذا المعنى أكثر من خلال علاقة اللفظة بما يجاورها على المستوى الأفقي للغة إذ إن هباء قد وصفت بـ منبثا ؛ فلو كان معنى اللفظة كما قيل : الجزيئات التي تلاحظ من خلال الشمس لما احتاج القرآن لأن يصفها بأنها منبثة ؛ فهي متفرقة أصلا .
الأمر الآخر الذي جعل الباحث يذهب إلى أن المقصود من كلمة هباء -في الآية - هو السحاب والضباب هو :السياق الذي وردت فيه هذه الآية على الخصوص ؛ فالآية قد وردت في سياق الحديث عن المكذبين والمستكبرين من الكفار ؛ الذين كانوا يعتقدون أن أعمالهم في الدنيا كإغاثة الملهوف وإكرام الضيف وصلة الرحم ، وغير ذلك من أفعال الخير أنها ستشفع لهم في الآخرة ، أو أنها ستخفف عنهم العذاب المتوعدون به في الآيات السابقة لهذه الآية ؛ فضلا عن ذلك أن الآية كانت خاتمة قصة الكافرين وما ينتظرهم من عقوبة وفاتحة قصة المؤمنين وما ينتظرهم من ثواب ، ولا شك أن هذا السياق هو سياق تخويف وتوعد وإقناع بالمصير المحتم للمكذبين ومن هم على شاكلتهم .
ولما كان ذلك كذلك كان لا بد أن يختار القرآن من المحور الاستبدالي للغة من الألفاظ ما يفي بهذا الغرض ويحققه أكمل تحقيق ؛ فكان اختياره للفظة (هباء ) دون غيرها من الألفاظ ؛ لأن هذه اللفظة في سياقها تؤدي ما لا يمكن لغيره من الألفاظ والعبارات أن يؤديه ؛ فهي تصور المشهد أصدق تصوير وتوحي بالخيبة والحسرة ؛ لأنها - وهي بمعنى السحاب والضباب - تشير إلى شيء يتراءى للعين أنه كبير وكثير ولكن عند محاولة الإمساك به يتعذر وهذا هو حال الكفار عند ظنهم بأعمالهم .
كما أن هناك إشارة من المحور الأفقي يدل على أن المقصود هو السحاب والضباب وهذه الإشارة هي وصف الهباء بـ منثور ؛ ؛فهذا الوصف يبدد ما قد يعتقد من منفعة ؛ لأن السحاب حين يكون مبددا ومنثورا لا ينتج عنه المطر بخلاف ما لوكان مجموعا ولو كان المقصد من الهباء كما ذهب المفسرون لما احتاج القرآن إلى وصفه بالمنثور لأنه منثور أصلا بحسب تفسيره .
فضلا عن ذلك فإن الوصف بمنثور يحقق التشاكل على المستوى الصوتي مع الآيات السابقة لهذه الآية عن طريق اتحاد صوت القافية الذي هو الراء ( بورا - كبيرا -بصيرا - منثورا )؛ فهذا التشاكل والاختيار لصوت الراء بما فيه من تكرار وقوة يوحى بالغرض الأساس من القصة والمتمثل بالتهديد والوعيد ؛ يتضح ذلك من خلال مقارنة هذه الفواصل بالفواصل التي وردت في القصة الثانية وهي قصة المؤمنين وما ينتظرهم من الثواب ؛ فقد جاءت هذه الفواصل بقافية اللام ( مقيلا – تنزيلا- سبيلا- ...) الذي يوحى بالهدوء والسكينة .
فضلا عن ذلك ؛ فإن القرآن قد اختار من المحور الاستبدالي للغة لفظة (قدمنا ) دون عمدنا أو قصدنا ؛ لما لهذه اللفظة من الميزة البلاغية والتكثيف الدلالي ما لا يتوفر لغيرها ؛إذ إنها تصور حال الكافرين مع أعمالهم بحال السلطان مع رعيته الذين عصوه ورفضوا أوامره ؛ فكأنه عَمد إلى ما يمتلكونه من أثاث ومتاع فأهلكه وأحرقه . ففي الآية استعارة تمثيلية خلقتها هذه اللفظة .كما اختار التعبير بالفعل الماضي فقال " وقدمنا ) مع أن الحديث عن المستقبل وكان الأصل أن يقول ( فسنقدم ) إلا أنه انزاح عن ذلك بالتعبير بصيغة الماضي لما لهذا من التأكيد على تحقق الفعل ؛ فكأنه قد حصل وانتهى .
وحتى يشير إلى الإحاطة والشمول أتي بـ(عمل ) منكرة لما في التنكير من الدلالة على ذلك فضلا عن الإشارة إلى حقارة تلك الأعمال -وإن كانت تبدو عظيمة -مقابل عدم إيمانهم .ثم إنه – ولمزيد من التوضيح – لجأ إلى الصورة والمتمثلة بالتشبيه البليغ المحذوف الأداة ووجه الشبه ؛ فقد شبه أعمالهم بالهباء وحذف أداة التشبيه ووجه الشبه مبالغة بأن المشبه هو عين المشبه به وغرضه من ذلك التأكيد على عدم النفع لأعمالهم الحسنة في الدنيا يتضح ذلك من خلال التكرار لكلمة عمل ؛ فقد وردت مكرره ثلاث مرات الأولى بلفظ الفعل عملوا والثانية عمل والثالثة بالضمير المتصل بجعل الذي يعود على العمل .
بقي الآن أن نفهم المعنى العام للآية ، ولن نفهمه حق الفهم إلى من خلال استقراء السياق والمتمثل بالآيات السابقة لها على وجه الخصوص ، وسياق النص القرآن بصفة عامة ، فإذا نظرنا للسياق الخاص سنجد أن الآية نفسها تشتمل على ضميرين : الأول ضمير التكلم ؛ الذي هو "نا" الفاعل في قدمنا ، والذي يعود على الله سبحانه وتعالى ؛ بحسب أقرب مرجع والذي تشير إليه القرآن العديدة والتي من ضمنها قرينة الحوار وقرينة الربط بين الجمل .
الثاني من الضمائر هو ضمير الغيبة ؛ الذي هو الواو المتصلة بـ" عملوا" والتي تعود على الذين كفروا في الآية الرابعة من السورة ؛ فهم المتصفون بالاستكبار ، والعتو والتكذيب برسالة محمد ، والعبادة لغير الله ، والتكذيب بالساعة والقرآن يشير إلى ذلك الأدوات التي تحقق تماسك الخطاب ؛ والتي هي العطف والضمير ؛ فهي التي تحيل على أن الواو في عملوا تعود علي الذين كفروا في الآية الرابعة من السورة ، وبعبارة أخرى نقول إن مرجع الضمير في عملوا هو الاسم الموصول وصلته في الآية الرابعة .
وعلى ذلك يكون المعنى العام في الآية هو أن الله يعمد أو يقدم إلى أعمال الكافرين- الذين ذكرت السورة صفاتهم- يوم القيامة فيجعلها هباء كأن لم تكن . لكن يبقى السؤال هنا . هل هذا الحكم ينطبق على كل كافر ، أم هو خاص بكفار قريش الذين ناصبوا الرسول ودعوته العداء ووقفوا قي وجه الدعوة بكل قوة ؟ ؛ بمعنى آخر هل يدخل ضمن هذا الحكم كل كافر لمجرد كفره ؟ أم لكفره وصده عن دين الله ؟ هذه قضية .
والقضية الثانية : هل يصح إطلاق كلمة الكفر من قبل البشر على غيرهم ؟ ،أم أن ذلك حكْر على الله سبحانه وتعالى لا يجوز للعبد أن يشاركه فيه مهما علم من الصفات التي تنطبق على الكافر؟
وللإجابة عن ذلك لابد لنا من استقراء السياق الأكبر الذي هو النص القرآني والسنة النبوية ؛ فإذا ما فعلنا ذلك –بخصوص القضية الأولى - سنجد النص القرآني يخبرنا بالآتي :
قال تعالى – في سورة إبراهيم –" مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتد به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الظلال البعيد " (الآية 18). وقال تعالى –في سورة النور-:"والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب "(الآية 39) وقال تعالى -في سورة الجمعة -:""مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً "(الآية 5).
ففي هذه الآيات نلمح أن القرآن الكريم يشير إلى أن أعمال الكافر في الدنيا تتلاشى يوم القيامة مهما كانت منفعتها . نلحظ ذلك من خلال الأسلوب المتبع في نظم الآيات ؛ ففي سورة إبراهيم نجد القرآن يأتي بـ" أعمال " بدلا من الموصول وصلته ؛الذين كفروا وما ذلك إلا ليشدَ انتباه المخاطب إلى المقصود بالحكم في الآية وهو هنا أعمال الذين كفروا عن طرق الانتقال من العموم إلى الخصوص وإن شئت أن تتبين الفرق ؛فقل مثل أعمال الذين كفروا ، ثم بعد أن قرر هذا المقصود في الذهن أتى بالحكم الذي هو التلاشي لها على صورة شيء محسوس مشاهد للعيان ؛بأن شبهه بالرماد في مهب الريح وجعله في يوم عاصف ثم أكد المفهوم السابق بجملة صريحة ؛ (ذلك هو الظلال البعيد) وجعلها جملة اسمية لغرض تأكيد المعنى ورسوخه ؛ لأن الإخبار بالجملة الاسمية يدل على الثبات والدوام بعكس التعبير بالجملة الفعلية التي تدل على الاستمرار والتجدد.
وإذا تأملت الآية في سورة النور ستجد أنه اتبع النمط نفسه خلا أنه صور أعمال الكافر بالسراب هذه المرة ، وذلك من أجل نقل المشهد النفسي الذي كان عليه الكافر يوم القيامة والمتمثل بالخيبة والحسرة بعد توقع العكس ؛ الصفة الجامعة التي تجمع بينه وبين الظمآن عندما يتراءى له السراب فيحسبه ماء .
وفي الآية الثالثة في سورة الجمعة نجده يصور أهل الكتاب الذين لم ينتفعوا بما جاءهم من البينات والحقائق بواسطة رسلهم ؛ بالحمار الذي يحمل الأسفار ؛أي الكتب فلم ينله من حمله لها إلا التعب والنصب .
ولا يقتصر الأمر على هذه الآيات وحسب وإنما هناك العديد من الآيات التي تشير إلى هذا المضمون من ذلك الآية (217 البقرة ) و(146، و147 الأعراف ) و(103-106 الكهف) ،( 111 النحل) ، و(70،71 غافر) ،و (3، 30 آل عمران) ،و(30 الزمر) ، (4 يونس )، (29،30 الأحقاف)(33،34 محمد) ،(5 الشورى) ... وغيرها من الآيات المبثوثة في الكتاب من ذلك :
قوله تعالى – في سورة النساء _:"وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى -وَهُوَ مُؤْمِنٌ - فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً " (الآية 124) ؛ فالاعتراض بقوله :" وهو مؤمن " فيه إشارة واضحة إلى أن قبول الأعمال مشروط بالإيمان ؛فالإطناب عن طرق هذا الاعتراض غرضه البلاغي الاحتراس عن الظن الخطأ والمتمثل في أن أعمال الكافر ربما تفيده في الآخرة .
من ثم نستطيع الخلوص إلى أن الحكم ببطلان العمل وتلاشيه يشمل كل كافر لمجرد كفره وهذا شيء طبيعي لأنه يحقق كيفية الخلق بالنسبة للإنسان والغاية منها ؛ فقد خلق الإنسان –كما نعلم – من أمرين متناقضين هما الطين والروح ؛جانب مادي حقير وهو: الطين والآخر سامي عظيم وهو: الروح وذلك من أجل تحقيق التفرد والتوازن في الإنسان ؛فلا هو مخلوق من شيء مادي بحت فينحط إلى مرتبة الحيوان ، ولا هو روح خالصة ؛ فيسمو إلى مرتبة الملاك وإنما هو مغاير للاثنين فيه من الجانب المادي ما يجعله ويحفزه على التعمير والأعمار للأرض وفيه من الجانب الروحي ما يحفزه إلى العبادة والسمو بالنفس من أن تنزل إلى مرتبة الحيوان و لا ترقى بالمقابل إلى مرتبة الملاك وإنما هو وسط بين ذلك وهذا هو التفرد والوسطية . وعلى الفرد أن يحافظ على هذا التوازن ؛فلا يجنح إلى الجانب المادي ويهمل العبادة التي هي الجانب الروحي ،ولا يجنح إلى الجانب الروحي بانقطاعه للعبادة وينسى جانب التعمير ؛ فكل ذلك غير مقبول لأنه يخل في الغاية من خلقه الذي هو التوازن والوسطية التي هي الغاية والمقصود بقوله تعالى :" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فالعبادة تقتضي الأمرين التعمير والعبادة قال تعالى :" وابتغ فيما آتاك الله الدر الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا"
القضية الثانية والمتمثلة بالسؤال الآتي وهو: من المخوَل في إطلاق صفة الكفر والإيمان والحكم بها على البشر آلله وحده ؟ أم يشترك معه الإنسان في ذلك؟
للإجابة على هذا السؤال يقتضي التسليم منا جدلا أنه ليس بمقدور الإنسان معرفة بعض الأشياء الموجودة من خلال صفاتها المميزة لها معرفة يقينية ، بل هناك بعض الأشياء تظل غائبة عنا على الرغم من معرفتنا لصفاتها ومميزاتها لسبب أو لآخر ومن هذه الأشياء الحكم على الشخص لمجرد صفاته المتمثل في سلوكه أنه كافر أو مؤمن يتضح ذلك من خلال العديد من الدلائل والقرائن التي جاءت مبثوثة في الكتاب والسنة والتي منها :
- ما ورد من النصوص التي تحث الرسول ومن بعده المؤمنين به عل التعايش مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى بالعدل والتآلف والتى منها قوله تعالى : "لكم دينكم ولي دين" وقوله " عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) "
- ماورد من النصوص التي تقصر أمر الرسول على التبليغ للرسالة دون التصنيف والمعاقبة للعباد والتي منها قوله تعالى :" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي أحسن " وقوله "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" وقوله تعالى :" اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " ؛ ففي هذه الآية –بالذات- لمن تدبرها حث للإنسان على حسن الظن بالآخر وعدم التسرع في الحكم عليه بل دعوته إلى الحق بالحسنى والرفق وإلا ففرعون بحسب ما روى لنا القرآن قد وصل إلى ادعاء الربوبية وإنكارها على الله صراحة ؛فقد قال: " أنا ربكم الأعلى " وقال :" ما علمت لم من إله غيري " ومع هذا يأمر الله موسى وهارون أن يذهبا إلىه " إنه طغى" ولم يقل إنه كفر على الرغم من امتلاكه – جل وعلا لذلك الحكم ثم قال :" فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " ومن المعروف أن الله سبحانه وتعالى يعلم مسبقا أنه لن يفعل لكن مع ذلك أراد أن يرسم للإنسان منهجا في تعامله مع الآخر وهو حسن الظن من خلال نموذج أقوى في التمرد والعصيان .
- ما ورد من النصوص في السنة النبوية التى تبين تعامله مع المخالفين له . من ذلك قصة الصحابي أسامة بن زيد -الذي قتل رجلا في المعركة كان قد نطق بالشهادة قبل قتله- ؛ فقد روي أن الرسول عندما سمع بهذه القصة غضب على هذا الصحابي من أجل فعلته قائلا : يَا أُسَامَةُ مَنْ لَك بِلَا إلَهَ إلّا اللّهُ ؟ قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهُ إنّمَا قَالَهَا تَعَوّذًا بِهَا مِنْ الْقَتْلِ . قَالَ فَمَنْ لَك بِهَا يَا أُسَامَةُ ؟ قَالَ فَوَاَلّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقّ مَا زَالَ يُرَدّدُهَا عَلَيّ حَتّى لَوَدِدْت أَنّ مَا مَضَى مِنْ إسْلَامِي لَمْ يَكُنْ وَأَنّي كُنْت أَسْلَمْت يَوْمئِذٍ وَأَنّي لَمْ أَقْتُلْهُ قَالَ قُلْت : أَنْظِرْنِي يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي أُعَاهِدُ اللّهَ أَنْ لَا أَقْتُلَ رَجُلًا يَقُولُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ أَبَدًا ، قَالَ تَقُولُ بَعْدِي يَا أُسَامَةُ قَالَ قُلْت بَعْدَك .( انظر : سيرة ابن هشام ،2/429)
- ومن ذلك أيضا إحجام الرسول صلى الله عليه وسلم عن إخبار الصحابة من هم المنافقون على الرغم من معرفته بهم ؛ بل هناك ما هو أعظم من ذلك ؛فقد روى أنه ظل يستغفر للمنافقين الذين تخلفوا عن المعركة ؛ فأنزل الله عليه قوله :" استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً " ( المنافقون 5 ) ؛ فقال الرسول لأزيدن على السبعين ، ومن ذلك تعايش الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة على الرغم من أذيتهم له وقصة علمه بمرض اليهودي من خلال غيابه عن أذيته وزيارته له في منزله وما نتج عن ذلك مشهورة في كتب السيرة . والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة وما أتينا به ما هو إلا النزر القليل .
لكن قد يقال : إذا كان ما تقوله صحيحا وهو أن أمر التصنيف للبشرية والحكم عليهم بالإيمان مقتصرة على الخالق جل وعلا دون غيره من المخلوقات ؛ إذا كان ذلك كذالك فلم أتى الله بصفة المؤمن والكافر في القرآن ، أو لم أعلمنا الله بها إن لم يرد أن نصنف البشرية بناء على هذه الصفات ؟؟
نقول إن إعلامك لذلك من قبل الخالق إنما كان من أجلك أنت ؛ إي من أجل أن تصنف نفسك أنت دون غير فتعرف صفات الخير أو صفات الإيمان فتتبعا وتعرف صفات الكفر فتجتنبها قال تعالى :" ومن كفر فعليه كفره " وقال :" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وقال :" ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها" ومن الطبيعي أن يكون الأمر كذلك لأن قضية الإيمان لا تحسم إلا بعد الموت ؛ فالتوبة مقبولة من العبد مالم تغرغر النفس وأمر القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء ؛ فقد يمسي الشخص مؤمنا ويصبح كافرا والعكس ، وقصة الرجل الذي قتل 99 شخصا في عهد موسى معروفة .

قراءة ثانية للألفاظ ( القاعدين – المخلفين- الخالفين)
في الآيات (46- 81- 83) من سورة التوبة
قبل قراءة هذه الألفاظ وفق ما استفدناه من دراستنا في مرحلة التمهيدي للمناهج الحديثة في قراءة المعنى في النصوص على يد أساتذتنا الأجلاء ومنهم الأستاذ الدكتور رياض القرشي حفظه الله ؛؛لابد من الوقوف على قراءة الآخر وأقصد هنا المفسرون ، ثم التعقيب عليها من خلال القراءة لها ثانية من خلال سياقاتها المختلفة .
أولا قراءة ( القاعدين ) في الآية 46 سورة التوبة
قال تعالى :" ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ) التوبة 46
أورد المفسرون أقوالا عديدة حول بيان المقصود بـ( قاعدين ) في الآية السابقة من ذلك أن المقصود بها :
- الذين شأنهم القعود ؛ كالنساء والصبيان و الزمنى والضعفاء ( ينظر : روح المعاني ، الألوسي ،7/250 = تفسير كلام المنان ، للسعدي، 1/339 =التفسير الوسيط ، محمد سيد طنطاوي 1/1967 =تفسير الشعراوي ؛1/3539 )
- وقال الزمخشري : فإن قلت ما معنى القاعدين قلت : هو ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود والجثو في البيوت وهم القاعدون ، و الخالفون ، و الخوالف " ( ينظر الكشاف ، 2/263 )
غير أن العودة إلى اللفظ ومحاولة قراءته من خلال سياقه العام والخاص ستجد ما يلي :
أولا : إن اللفظة وردت في سياق حديث الله عن المنافقين وكشفهم وفضح كذبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتفنيد حججهم والتي من ضمنها عدم الاستعداد للخروج –بحسب زعمهم – يشير إلى ذلك الكلمات ( لو – لكن – قيل ) الواردة في سياق اللفظة ؛ فـ (لو) تفيد امتناع الشرط لامتناع الجواب ؛ بمعنى امتناع خروجهم للقتال كان ناتج عن عدم إرادتهم للخروج وليس لشيء آخر مما ذكروه . و(لكن) الاستدراك لحكم ما بعدها عما قبلها ؛ بمعنى أن تثبيط الإرادة عندهم كان من قبل الله سبحانه وتعالى لأسباب يعلمها مسبقا . ، و(قيل ) فعل ماضي مجهول القائل ، ويحتمل – بحسب السياق – أن يكون :
- إما الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار الإذن لهم كان بمثابة القول
- الله سبحانه وتعالى باعتبار التثبيط لهم كان بمثابة القول
- الشيطان باعتبار الوسوسة من قبله قولا .
غير أن حذف الفاعل وبناء الفعل للمجهول في العربية عادة يكون لأغراض بلاغية منها : الخوف من الفاعل ، أو الخوف عليه – العلم بالفاعل ، أو الجهل به – تحقير الفاعل . وهذه الأغراض مستبعدة من السياق ؛ لأن قائل الخطاب هو الله سبحانه وتعالى . فلم يبقى إلا أن يكون الحذف للفاعل الذي هو القائل ؛ لأنه غير مقصود في الخطاب ؛ أي ليس مهما بقدر الاهتمام بقوع الفعل ؛أي القول على شاكلة قوله تعالى في سياق آخر :" وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء واستوت على الجودىَ" ؛ إذ إن الغرض هنا هو الإخبار بانحسار الماء ورسوا السفينة وليس الإخبار بمن فعل ذلك .
من ثم نفهم أن الغرض من بناء الفعل للمفعول هو الإخبار بأن قعودهم كان مقصودا وخارجا عن إرادتهم ؛لأمر يعلمه الآمر بدليل الإتيان بالفعل طلبيا بصورة الأمر ؛ اقعدوا . ولإتيان بالفعل على هذه الصورة يوحى ويحتمل أنهم كانوا يريدون الخروج وقد استعدوا له لكن الآمر في الخطاب منعم من ذلك – بحكم سلطته عليهم - ؛ لسبب من الأسباب غير أن هذا الاحتمال مستبعد أن يكون الأمر بالقعود قد صدر من الرسول صلى الله وسلم ؛ لأنهم لم يريدوا الخروج ولم يستعدوا له بدليل استئذانهم من الرسول قبل الخروج للمعركة بحجة عدم الاستعداد للخروج ، أو للقتال كما تخبر الآية .
لكن قد يقال : إن الأمر صدر لهم عقب استئذانهم بدليل التعقيب بـ( مع القاعدين) . نقول :إن ذلك كان ممكنا إذا كان الرسول يعلم مسبقا أنهم كاذبون في ما قدموه له من أعذار وحتى يأمن غدرهم أو خيانتهم أمرهم بالقعود مع القاعدين بقصد مراقبة تحركاتهم على اعتبار أن القاعدين مقصود به كما قال المفسرون هم النساء والصبايا والزمنى . ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم ذلك ؛أي لم يكن يعلم كذبهم بدليل قوله تعالى قبل ذلك :" عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى تعلم الصادق من الكاذب"
من ثم نخلص إلى أن الأمر في الآية ؛(اقعدوا مع القاعدين) لم يكن لغويا أو حرفيا وإنما كان تداوليا شبيها بقولك لسائل -كان قد سألك عن رجل- : قيل له اقعد مع القاعدين . وأنت تقصد أنك قد فصلته من جملة من فصل بسبب فساده واستهتاره في مهامه . من هنا فالأمر في الآية مقصود به الإقعاد ذاته ؛ أي الفصل من المشاركة بالجهاد عن طريق التثبيط للهمم وللعزيمة من قبل الخالق جل وعز . والدليل عطف هذه الجملة على سابقتها( ولكن كره الله انبعاثهم ) بالواو والعطف يقتضي المشاركة بالحكم . وإنما فعل ذلك لما كان قد علم من ضررهم على المسلمين في حال مشاركتهم قال تعالى : " ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ، وفيكم سماعون لهم والله أعلم بالظالمين * لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله "
من ثم نخلص إلى أن الممقصود بــ(قاعدين ) في الآية ليس كما ذكر المفسرون ؛ أي النساء والصبيان والزمنى ؛لأن ذلك يأباه السياق ولا ينسجم معه باعتباره سياق تهديد ووعيد وذم . يفهم ذلك من خلال سياق الآية وما جاورها من الآيات كالآيات ( 38-، 39 – 42 – 43-45-47-48-49-50-56-57-58-68-69) وغيرهن من الآيات المبثوثة في السورة وفي حنايا الكتاب ؛ليس المقصود المعنى الحرفي للكلمة إنما المقصود ما يتطلبه هذا المعن ؛ أي الذين قعدوا عن النصرة للرسل كافة والنصرة للحق والجهاد في سبيله مع معرفتهم به واستطاعتهم لنصرته أو الذين قعدوا له بالمحاربة له والعداء له بغض النظر عن الزمان والمكان ابتداء من إبليس وحتى يرث الله الأرض بدليلين، الأول هو سياق السورة ، والثاني هو السياق العام لورود اللفظة أقصد القرآن الكريم :
أما عن الأول –بالإضافة إلى ماسبق – فقد أتت الآية في سياق الحديث عن قصص الذين كذبوا رسلهم من النصارى واليهود والمشركين ، والحديث عن الذين أخرجوا الرسول من مكة وآذوه ، والذين أقعدهم حب الدنيا ومتاعها المتوعدون بالعذاب الأليم . فالمعنى إذا ليس معنى حرفيا وإنما معنى تداوليا مقصود به ليس مجرد الذم وحسب بل أيضا التهديد والوعيد والتهكم والسخرية يفهم ذلك من خلال اختيار اللفظ ذاته (قعد قاعد) دون مكث ؛ إذ إن قعد يوحى بمعان عدة من ضمنها :
- أن قعد ضد قام والقيام مقدمة للحركة والقعود مقدمة للسكون والتخاذل والراحة والخمول
- أن قعد توعي بالتناقض ؛ فهي من الأضداد التي تدل على المعنى ونقيضه ؛فهي تدل على القيام كما تدل على الجلوس ( انظر : القاموس المحيط مادة قعد ) وذلك ألصق بحال المنافق الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر .
- التباطؤ ؛ فمن معاني القاعد الجوالق الممتلئ (ينظر: تاج العروس مادة قعد)
أما الثاني من الأدلة فهو السياق الأكبر وأقصد القرآن الكريم ؛ فقد وردت هذه اللفظة بمشتقاتها في القرآن الكريم للدلالة على الصد عن سبيل الله والوقوف أمام الحق والدعوة والرسل بكل قوة وإصرار قال تعالى- حكاية عن إبليس -:" قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ " (الأعراف 16 ) وقال تعالى:" لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا" (الإسراء 22) وقال تعالى :" الذين قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ " (الأعراف168) وقال تعالى:" قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" ( المائدة 24) وقال تعالى :" النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود" .
المقصود بـ( المخلفين ) في الآية (81)
قال تعالى :" فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ " التوبة 81)
ذكر المفسرون أن المقصود بالمخلفين في الآية السابقة هم: الذين خالفهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأذن لهم ، أو الذين خلًفهم الله بتثبيطهم عن الجاهد ، أو الشيطان بوسوسته لهم .( انظر : روح المعاني ، الألوسي ،7/314 = تفسير أبي السعود ،4/88).
وقيل المراد بهم أولئك الذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك مع الرسول بسبب ضعف إيمانهم وسقوط همتهم وسوء نيتهم . ( ينظر: التفسير الوسيط لسيد طنطاوي 1/2012 =تفسير الشعراوي 1/3663 )
وقال ابن عاشور : المخلفون هم الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك استأذنوا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأذِن لهم وكانوا من المنافقين فلذلك أطلق عليهم في الآية وصف المخلّفين بصيغة اسم المفعول لأنّ النبي خلَّفهم ، وفيه إيماء إلى أنّه ما أذن لهم في التخلّف إلاّ لعلمه بفساد قلوبهم ، وأنّهم لا يغنون عن المسلمين شيئاً كما قال : ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً) ( ينظر : التحرير والتنوير ، ابن عاشور ،10/280 ).
هذا ما قاله المفسرون عن المقصود بهذه اللفظة . وإذا ما عدنا للسياق سنجد أن المخلفين في الآية وردة بصيغة اسم المفعول والتي تدل بصيغتها الصرفية على أنها مشتقة من الفعل المبني للمجهول للدلالة على الذات المتصفة بوقوع الحدث عليها ؛ أي الذين خلفهم غيرهم وتركهم خلفا مطلقا سواء بعذر أو خلافه هذا هو المعنى الصرفي والذي لا يتحدد إلا من خلال السياق .
وإذا عدنا إلى سياق اللفظ سنجد أنه قد اقترن بالأفعال ( فرح – كره- قال ) والتي وقعت مسندة للمخلفين مما يعني أن المخلفين هم الذين فرحوا والذين كرهوا والذين قالوا . فرحوا بمخالفة أمر الله ورسوله بالجهاد ، أو بقعودهم خلف رسول الله ؛ لأن لفظة (خلاف) في الآية تحتمل الوجهين ؛ أي المخالفة بدليل من قرها بضم الخاء وحذف الألف (خٌلْف) كما تحتمل معنى خَلْف بدليل من قرأها على هذا النحو غير القراءة المشهورة ، وهم كذلك الذين كرهوا الجهاد بأموالهم وأنفسهم ، وهم الذين قالوا لا تنفروا في الحر .
وهو ما يعني أن الآية قد استثنت من المعنى الصرفي- من خلال نظمها - أصحاب الأعذار المقبولة والصحيحة ، والذين لا يجدون ما يجهزهم للقتال وهم الذين ذكرهم الله في الآيتين (91-92) من السورة ذاتها وأبقت هذا المعنى منحصرا على كل من لم يشارك في الجهاد في غزوة تبوك مع استطاعته مخالفين في ذلك أمر الله ورسوله بالنفرة للجهاد في قوله " انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم " سواء استأذنوا رسول الله بالقعود ،أم لم يستأذنوا وسواء أكان تخلفهم عن جبن أوكسل ، أو تخاذل ، أو بغرض الإفساد والدليل موقفه صلى الله عليه وسلم من الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت؛ فأنزل الله توبتهم بعد خمسين يوما قال تعالى : " وعلى الذين خلفوا حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت وظنوا أن لا ملجأ من الله إلى إليه "
مما يعنى أن اللفظ شمل المنافقين الذين لم تقبل توبتهم على الرغم من استغفار الرسول لهم قال تعالى : " استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم " والذين ندموا بعد ذلك وقبل الله توبتهم والقصة مشهورة في كتب التفسير وكتب الحديث .
فضلا عن ذلك يدلك اختيار النظم للفظة (خلاف) دون خلف مما يشعر بالمخالفة للأمر ، وكذا المطابقة بين فرح وكره التي تشعر وتشير إلى أمر مستقبلي سيحصل وهو قبول التوبة من النادمين من جهة كما تشير إلى المنافقين خاصة سواء أكانوا من أهل المدينة أم من الأعراب حول المدينة الذين لم يستأذنوا رسول الله بالقعود والذين ذكرهم الله في الآية (120 التوبة) من ناحية أخرى .
لكن قد يقال إذا كان ذلك صحيحا . فلم اختار اللفظ كلمة مخلفون وكان الأصل أن يقول المتخلفون ؟!! أقول إن اختيار القرآن للفظة مخلفون أبلغ في تحقيق الغرض وإيصال المعنى من متخلفين في هذا السياق ؛ ذلك لأن اللفظ يقطع توهم السامع أن الذين استأذنوا رسول الله مخرجون من هذا الحكم بحكم استئذانهم . ولا عجب في ذلك فهذه الآية هي المحور التي مكنت الرسول بعد ذلك التعرف على المنافقين يدلك على ذلك حالة الرسول صلى الله عليه وسلم وموقفه من المؤمنين الذين تخلفوا عن المعركة ثم لحقوا به بعد ذلك وموقفه من الذين لم يلحقوا به بعد ذلك وهم الثلاثة الذين خلفوا ولم يلحقوا به ؛فقد عزلهم الرسول مدة خمسين يوما حتى جاءه الوحي بقبول توبتهم .
المقصود بـ( الخالفين ) في الآية (83 التوبة )
قال تعالى:" فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ "(83)
ذكر المفسرون أن المقصود بـ(الخالفين) في الآية السابقة :
- هم المتخلفون لعذر ( ينظر: الأريب في تفسير الغريب ، 1/222 )
- الرجال الذين تخلفوا عن الغزو قاله ابن عباس وقال قتادة : النساء خاصة ؛ قال ابن جرير وهذا لا يستقيم ؛لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون ، ولو أراد النساء لقال مع الخوالف ، أو الخالفات ( ينظر : تفسير ابن كثير ، دار طيبة ، 4/192 )
- النساء والصبيان ، وقيل الزمنى والمرضى .( ينظر: تفسير البغوي، 4/81 )
- الخالف هو المتخلف وقيل إنه من خلف بمعنى فسد .( ينظر: روح المعاني، الألوسي 7/317 )
- وذكر الإمام الرازي في تفسير الخالفين وجوها الأول :من يخلف الرجل في قومه ومعناه فاقعدوا مع الذين يتخلفون في البيت ولا يبرحونه ، والثاني : المخالفون ؛ يقال فلان خلفه أهل بيته إذا كان مخالفا لهم ، وقوم خالفون ؛ أي كثيرو الخلاف ، والثالث : هو الفاسد ؛ قال الأصمعي : يقال خلف عن كل شيء يخلفه خلوفا ، إذا فسد .( ينظر : تفسير الفخر الرازي ، دار إحياء التراث ، 1/226 )
هذا ما قاله المفسرون . وحقيقة الأمر أننا لو ربطنا اللفظ في الآية السابقة بما قاله الباحث عن القاعدين والمخلفون سابقا ، وكذا بسياق الآية التي ورد فيها اللفظ وبالسياق العام في السورة نفسها والنص القرآني جميعه سنجد أننا نستبعد مما قاله المفسرون -عن هذه اللفظة -الأقوال التي تذهب إلى أن المقصود هو : المتخلفون لعذر ، أو الزمنى والمرضى الذين تخلفوا عن الغزو ، أو النساء كما ذهب قتادة في هذا القول ، أو من يخلف الرجل في بيته ؛ ذلك لأن هذه التفسيرات لا تنسجم مع السياق العام فضلا عن الساق الخاص ؛ فالسياق هو في مجمله سياق تهديد ووعيد وتهكم واستخفاف بمن تخلف عن الغزو يدلك على ذلك –فضلا عما ذكرنا عند الحديث عن قاعد ومخلف – إشارات عديدة في النص منها : أن السورة نفسها جاءت مغايرة لجميع سور القرآن الكريم ؛ فهي لم تفتتح بالبسملة كما هو شأن السور الأخرى وافتتحت بالتبرؤ من المشركين قال تعالى :" بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1)
وكلمة « براءة » تجدها في « الدَّيْن » ويقال : « برىءَ فلانٌ من الدَّيْن » . أي أن الدَّيْنَ كان لازماً في رقبته ، وحين سَدَّده وأدَّاه يقال : « برىء من الدَّين » . ويُقال : « برىء فلان من المرض » إذا شُفِي منه أي أن المرضَ كان يستمسك به ثم انقطع الاستمساك بينه وبين المرض .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاهد قريشاً وعاهد اليهود ، ولم يُوَفِّ هؤلاء بالعهود ، وكان لزاماً أن ينقض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه العهود . ( ينظر : تفسير الشعراوي ،1/3352 ) ؛ فالموقف موقف غضب فيه من التنديد بالذين نقضوا عهودهم وفيه من التنكيل والوعيد بالمنافقين وكشف كذبهم وألاعيبهم وما ينتظره من عذاب أليم ؛ من أجل ذلك تركت البسملة ؛ إذ تشير إلى رفع الأمان الذي يأباه مقام التصدير بما يشعر ببقائه .
فضلا عن هذا فإن سياق الآية يأبى هذا التفسير أيضا ؛ذلك لأن الآية مرتبطة ارتباط عضويا بما قلناه عن القاعدين والمخلفين ؛ فالحديث في الآية عن أناس هم بمثابة الجزء من الكل ، أو هم بعض من بعض على وجه الدقة ؛ فإذا كان المخلفون هم جزء من القاعدين بالمعنى الذي ذكرناه ؛ فإن الخالفين هم جزء من المخلفين بالمعنى السابق ؛ فهم خلاصة الخلاصة ؛ يشير إلى ذلك كلمة بعض ومن الدالة على البعضية ، وكذا الضمير المتصل بمن الذي يشير إلى المخلفين بحسب مرجعه ، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى :" إنكم رضيتم بالقعود أول مرة " وقوله في الآية التالية : "رضوا أن يكونوا مع الخوالف " .
بالإضافة إلى ذلك ؛ فإن الصيغة (طائفة) التي جاءت في سياق الآية تشعر بجو السخط والتقليل ولتهميش والتحقير ؛ فقد وردت اللفظة منكرة ومبهمة في الوقت نفسه ؛ فضلا عن استعمال ضمير الغيبة في الحديث عنهم عوضا عن الاسم الظاهر ؛ ففي ذلك ما فيه من التحقير لشأنهم والإقصاء لدورهم في المجتمع يدلك على ذلك النفي القطعي بلن ثم تأكيده بـ( أبدا) وبـتنكير عدوا ليشير إلى أي عدو مستقبلي في قوله تعالى بعد ذلك :" فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا" ؛ إذا كان الأمر على هذا النحو فمن غير المعقول أن يكون المقصود هو ما ذكره المفسرون .
من ثم نخلص إلى أن المقصود بـ( خالفين ) في الآية هم القاعدون في الآية (26) مع فارق وهو تميزهم عنهم بأنهم خالفين وخوالف ، وهم : المخلفون في الآية (81) مع تميزهم عنهم بأنهم فرحوا وكرهوا ؛ أي أنهم المنافقون .
الذي يدلل على ذلك –فضلا عن السابق- ما جاء من أحكام ربانية بخصوصهم فبالإضافة إلى فصلهم فصلا نهائيا من المشاركة في الجهاد وهو عقاب دنيوي ؛ فهناك عقاب آخر يتصل بالآخرة وهو النهي عن الصلاة عليهم وعن الوقوف على قبرهم نهيا أبديا ، والحكم بكفرهم وفسقهم ؛ قال تعالى:" وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ "(84) .
إذ من غير المعقول أن يكون هذا النفي وهذا النهي والحكم بالكفر وبالفسوق خاص بهذه البعضية التي تحدثت عنها الآية دون البقية من المنافقين؛ فالحكم والعقوبة شاملة لهذه البعضية وللخالفين الذين أمروا بالقعود معهم وهم المنافقون.فإن قلت إذا كان الأمر على ما تقول من أن المقصود بالخالفين هم المنافقون ؛ فلم لجأ القرآن إلى الخالفين مع غرابته دون اللفظ الصريح المنافقون . أقول إن ذلك كان لأمرين :
الأول : هو أنه أراد من خلال ذلك الإشارة إلى غرابة صفاتهم وخطرها ، والتي لم تكن مألوفة من قبل والتي هي إظهار الإيمان وإخفاء الكفر عن طرق مشاكلة اللفظ للمعنى ؛ فلما كان المعنى غريبا جاء اللفظ غريبا وغير مألوف مثله ، وذلك على طريقة قوله تعالى في سياق آخر من القرآن في موقف تفنيد أباطيل المشركين المختلقة وإبطالها ؛ فقد استخدم القرآن كلمة ضيزى بدلا من ظالمة في الإشارة إلى ظلم القسمة وهي أوضح منها قال تعالى :" أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى" ( النجم، 22) ؛ فلما كانت قسمتهم غريبة كونها ادعت لله ما ليس له وهو الولد بأن جعلوا الملائكة بنات الله وكونها نسبت إلى الله ما لا يرضون لأنفسهم وهو البنات من أجل ذلك أتى اللفظ غريبا في وصف القسمة ؛ ضيزى حتى يشاكل غرابة المعنى ؛ كذلك هنا ؛فقذ اختار القرآن خالفين دون منافقين أو خوالف المألوفتان ليشاكل عن طريق الغرابة في اللفظ الغرابة في المعنى وليشير عن طريق ذلك إلى مضاعفة ذنبهم قال تعالى :" إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار" (النساء145 )
الثاني : لما في اللفظ من الإيحاء ببعض صفاتهم القبيحة فقد وردت اللفظة تشير إلى معان عدة من ضمنها:
- الفاسد والمفسد قال الشاعر :
ولا خالف دارية متعزل يروح ويغدو داهن يتكحل . ( انظر: إعراب لامية الشنفري ، العكبري ، تح : محمد أديب عبد الواحد، ط1، 1/79)
- الخالف الذي يقعد بعدك ، والفاسد الأحمق والذي ليست له جهة ورجل خالف كثير الخلاف ، والذي لا غنى عنده ولا خير فيه ، والمتخلف عن القوم ؛ و الخالف هو الخالفة الها فيه للمبالغة وليست للتأنيث قيل في المثل " أي خالفة هو " ويجمع على خوالف .( انظر: المخصص لابن سيدة ،والقاموس المحيط ، والمعجم الوسيط ، مادة خلف)
من ثم نستطيع الخلوص إلى أن بين الألفاظ ( قاعدين- مخلفين- خالفين ) عموم وخصوص من وجه ؛ فالقاعدون –في هذا السياق-لفظ عام يشمل المخلفين الذين لم تقبل توبتهم ، وكذا الخالفين ، والخالفين :هم المخلفين بشرط عدم قبول التوبة بعد التخلف؛ بمعنى آخر كل خالف هو قاعد ومخلف وليس العكس ؛ لأن القاعد هو من قعد عن النصرة للرسل والدعوة وقعد لها بالمحاربة جهارا وهم هنا الكفار على الإطلاق ، والمخلفون هم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم دون عذر و يشمل المنافقين والذين قبل الله توبتهم بعد ذلك ، أما الخالفون أو الخوالف ؛فهم المنافقين خاصة.
ونستطيع تمثيلهم بالخطاطة الآتية :





المراجع والمصادر
مسلسل اسم المرجع
القرآن الكريم
إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: أبو السعود،دار إحياء التراث العربي - بيروت
أساس البلاغة،الزمخشري
إعراب لاميةالشنفرى ،أبو البقاء العكبري ،تح : محمد أديب عبدالواحد جمران ،المكتب الإسلامي - بيروت ط1 ، 1984
التحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور
دار النشر : دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس - 1997 م
التفسير الوسيط: محمد سيد طنطاوي: موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
3 تاج العروس من جواهر القاموس ؛الزَّبيدي ،تح: مجموعة من المحققين
الناشر: دار الهداية.
تذكرة الأريب في تفسير الغريب
تفسير الشعراوي، المكتبة الشاملة الاكترونية
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ،السعدي ، تح: عبد الرحمن بن معلا اللويحق ،مؤسسة الرسالة،ط1 1420هـ -2000 م
تفسير القرآن العظيم ،ابن كثير القرشي الدمشقي،تح: سامي بن محمد سلامة ،دار طيبة للنشر والتوزيع ،ط2 ، 1420هـ - 1999 م
تفسير الفخر الرازى، : الفخر الرازي، دار إحياء التراث العربى
روح المعاني ،الألوسي ، http://www.altafsir.com
سيرة ابن هشام: موقع الإسلام http://www.al-islam.com
معالم التنزيل ،البغوي ،تح : محمد عبد الله النمر ، وآخرون ،دار طيبة للنشر والتوزيع ،ط4 ، 1417 هـ - 1997 م
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

خالد محمد علي المشرقي قراءة الآية[23]من سورة الفرقان وبعض من الألفاظ في الآيات[46-81-83] من سورة التوبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات تخاطب : ملتقى اللسانيين واللغويين والأدباء والمثقفين والفلاسفة ::  اللسانيات النظرية :: علم الدلالة والتخاطب (التداولية)-
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية
تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Digg  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Delicious  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Reddit  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Stumbleupon  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Slashdot  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Yahoo  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Google  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blinklist  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Blogmarks  تسجيل صفحاتك المفضلة في مواقع خارجية Technorati  

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع


فانضموا إليها

Computer Hope
انضم للمعجبين بالمنتدى منذ 28/11/2012
سحابة الكلمات الدلالية
الاسلامية في النص أحمد التركيب الاجنبي اطرافه حزين الاثر الأدبي فراش تراثنا النقد شوقي مقدمة دراسات بالكلمات رحلة حينما الرجال الشكلانية اللغة الحضارة تعريف رثاء البياني


حقوق النشر محفوظة لمنتديات تخاطب
المشاركون في منتديات تخاطب وحدهم مسؤولون عن منشوراتهم ولا تتحمل الإدارة ولا المشرفون أي مسؤولية قانونية أوأخلاقية عما ينشر فيها

Powered by phpBB© 2010

© phpBB | الحصول على منتدى | منتدى مجاني للدعم و المساعدة | إتصل بنا | التبليغ عن محتوى مخالف | مدونة مجانية